581

أما ما ذكره أولا، فغير مناف لعينية الإرادة لذاته، لأن مراده من العلم به تعالى، إن كان بالكنه فغير واقع، وإن كان بوجه، فلا ينافي العلم بوجه الشيء الشك في ثبوت ما هو عينه في الواقع له.

وأما ما ذكره في ابطال الثاني، فمدفوع؛ بالفرق بين السلب والسلبي، إذ معنى كون الإرادة سلبية، أنها عبارة عن سلب العجز مطلقا أو المغلوبية، أو كونه مكرها كذلك كما ذكره أولا، فعلى هذا لا يصدق على الجماد.

وأما ما ذكره في إبطال الخامس والسادس؛ فلهم أن يرتكبوا التسلسل في الإرادات، لأنها معدات بعضها لبعض، والفاعل لها جميعا هو الله، ولا يسد بذلك دليل اثبات الصانع، للفرق بين الفاعل والمعد، فالحاجة إلى المرجح والمخصص المعد، لا يدفع الحاجة إلى الصانع المريد المفيد، كما أن الفلاسفة - مع كونهم ذهبوا إلى مثل هذا التسلسل في الحوادث المعدة - أبطلوا القول بالتسلسل في العلل الموجبة، وأثبتوا به الصانع، لكن لزم عليهم ما لا يلزم على هؤلاء المتكلمين، وهو اثبات محل قديم لتلك الحوادث المتسلسلة غير الباري تعالى.

والذي يلزم على هؤلاء شيء آخر، وهو لزوم كونه تعالى محل الحوادث التي هي الإرادات المتجددة، واستحالة ذلك غير مقطوعة عندهم، بل مما له وجه وجيه، يمكن بيانه بحيث لا تنثلم به قاعدة التوحيد الإلهي، وتنضبط أحديته عن وصمة التغير والتجدد والتكثر في ذاته - تعالى عنها علوا كبيرا -، وليس ههنا موعد بيانه.

وذكر الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني في باب المشيئة والإرادة من كتاب التوحيد من كتب الكافي عن أبي الحسن عليه السلام: " إن لله إرادتين ومشيئتين: إرادة حتم، وإرادة عزم. ينهي وهو يشاء، ويأمر وهو لا يشاء. أوما رأيت أنه نهى آدم وزوجته أن يأكلا من الشجرة وشاء ذلك، ولو لم يشأ أن يأكلا لما غلبت مشيئتهما مشيئة الله تعالى، وأمر إبراهيم أن يذبح إسحق - ولم يشأ أن يذبحه -، ولو شاء لم غلبت مشيئة ابراهيم مشيئة الله تعالى ".

وبذلك خرج الجواب عما ذكره في ابطال الخامس خاصة.

وأما ما ذكره في ابطال السادس خاصة فنقول في دفعه: إن الإرادة كالعلم والقدرة وغيرهما من الصفات، ليس المراد بها المعنى المصدري، بل كما أن العلم عبارة عما به ينكشف المعلوم لدى العالم، فكذا الإرادة، ما به يترجح أحد طرفي الشيء المقدور عند القادر، أو أحد المقدورين المتساويين عنده في المقدورية، وكما ان لعلمه تعالى مراتب ومنازل، وأخيرة مراتبه وجود الموجودات الزمانية المكانية، بمعنى أن وجودها بعينه نحو معلوميتها، ونحو علمه تعالى بها هذا العلم الزماني، فكذلك لإرادته - جل ذكره - مراتب ومنازل، وأخيرة مراتب الإرادة، هي بعينها ذوات الموجودات الحادثة، بمعنى أن كلا منها بهويته مراد الله، وبه يريد الله غيره، لأن به يتخصص وجود ذلك الغير ويترجح على عدمه، فكل منها ارادة ومراد باعتبارين، كما أنه علم ومعلوم باعتبارين.

فمراتب إرادته تعالى مضاهية لمراتب علومه، بل هي هي عند التحقيق، وإدراك هذا المقام يحتاج إلى تصفية الذهن، وتجريده عن أنظار المعطلين وأقاويل المبتدعين.

ولعل ما ذكرناه في توجيه كلامهم، مما غفلوا عنه غفلة تامة، وذهلوا عنه ذهولا عريضا، إلا أن غرضنا في ذلك كشف الحق ودفع الباطل بأي وجه كان.

ولا يبعد أن كان لهؤلاء القوم أشياخ متقدمون، وكانت لهم علوم صحيحة غامضة عن أفهام هؤلاء الآخرين، ولهم كلمات متوافقة المعاني والرموز، متخالفة الظواهر لاختلاف عاداتهم في طريق التعليم وبيان الرمز، والمتأخرون حيث لم يبلغوا شأوهم ولم يصلوا إلى مقامهم، حرفوا الكلم عن مواضعه، وذهبوا إلى ما ذهبوا، وسلكوا طريق الجدال، وشحنوا كتبهم بمثل هذه الأقوال، زعما منهم أن في ذلك نصرة الدين، إلا أنهم حركوا سلسلة الشياطين، وخذلوا وأذلوا أولياء اليقين، وأضاعوا سيرة السالكين في مناهج الآخرة، ومسالك الدين.

Página desconocida