572

وبالجملة، ما من شيء في هذا العالم، إلا وينتهي أصله وسره إلى حقيقة إلهية وسر سبحاني، وأصل رباني، ومطلع أسمائي، ومشرق قيومي، ويكون نحو وجوده في عالم الوحدة الجمعية الإلهية معرى عن كل كثرة وشوب، مبرأ عن كل نقص وعيب.

وهكذا في جميع ما ينسب إليه تعالى من الصفات التشبيهية - كالحياء والغضب والانتقام والرحمة، والرضا، والصبر، والشكر، والقبض والبسط، والسمع والبصر، والشوق، واللطف -، وما أشبهها.

وكذلك اليد، واليمين، والقبضة، والقلم، واللوح، والكتابة، والذهاب، والمجيء، والجنب، والقدم، والوجه، والعين، والأعين - وما يجري مجراها -، فمن عرف ما ذكرناه، فتح على قلبه باب عظيم من علوم المكاشفات.

فصل

في تتمة القول في معنى قوله تعالى:

{ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا }

قيل: يجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة، فقالوا: " أما يستحيي رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت؟! " فجاء هذا الكلام على سبيل إطباق الجواب على السؤال - وهذا فن بديع من الكلام.

واعلم أن ما لا يجوز عليه تعالى من المثالب والنقائص، فيجب أن يسلب عنه تعالى، ولا يجوز إطلاق ذلك السلب عليه على طريق الايجاب العدولي، ولا على ايجاب سلب المحمول، مثلا، لا يجوز عليه الجسمية، فيجب أن تسلب هي عنه ويقال: " ليس هو بجسم " ولا يقال: " هو لا جسم " أو " هو ليس بجسم ".

لأن اثبات المعنى العدولي له، وكذا ايجاب المفهوم السلبي عليه، يستدعي اتحاده به، وذلك يستلزم أن يكون ذلك المعنى إما عين ذاته - إن كان ذاته بذاته مصداق ذلك المعنى ومطابق حمله عليها -، وهو محال، لكون ذاته تعالى حقيقة الوجود المجهولة التصور؛ وإما عارضة لذاته إن لم يكن كذلك، فيلزم التكثر في صفاته، وهو أيضا مستحيل، كما بين في مقامه.

ثم إنه قال القاضي: ما لا يجوز على الله من هذا الجنس إثباتا، فيجب أن لا يطلق على طريق النفي أيضا عليه، وإنما يقال إنه لا يوصف به، فأما أن يقال: " لا يستحيي " ويطلق ذلك عليه فمحال، لأنه يوهم نفي ما يجوز عليه، وما ذكره تعالى في كتابه من قوله:

Página desconocida