Tafsir
تفسير صدر المتألهين
نعم؛ يمكن دوامها من جهة الإمداد العلوي والايجاد الفاعلي، إمدادا بعد إمداد، وايجادا بعد ايجاد.
والحق أن الحافظ للمزاج - أيضا -، والمديم لأجزاء المركب عن التبدد والافتراق ، ليس صور تلك الأجزاء، كلا، لأنها متداعية إلى الانفكاك، مقتضية للحركة إلى أحيازها الطبيعية، وإنما هي مجبورة بقسر قاسر، وجبر جابر سلطه الله عليها، يجبرها على الالتيام، ويمنعها عن الافتراق والانهزام، وهي صورة، أو نفس، أو ملك جسماني متعلق بها، حافظ لها ومبق إياها - لا بالعدد، بل بالنوع -، ونوعيتها وتجددها العددي، لا ينافي شخصية المركب وبقائه بالصورة، لأن مناط الشخصية بالصورة لا بالمادة.
فالحيوان - مثلا -، بدنه في التحلل والذوبان، لعكوف الحرارة الغريزية والغريبية، ونار الطبيعة على تحليلها وإذابتها ما دامت حياته، ومع ذلك شخصيته باقية تلك المدة بالصورة الحيوانية، وهي نفسه أو أمر آخر؛ لكن الفاعل المديم، إن كان أمرا قائما بالجسم في وجوده أو في فاعليته، فلا يمكن دوامه بالشخص - وإلا فيمكن -، ولهذا يجب الحشر فيما يحتمل البقاء من النفوس.
فالصواب أن يقال في كيفية بقاء الأبدان الأخروية، وصيرورة هذه تلك مع انحفاظ الشخصية بالعدد: إن العبرة في ذلك بالنفس - لا بالبدن -، فالنفس باقية، حافظة للبدن.
أما في الدنيا فبإيراد البدل عليه، لانضياف الأجسام الغذائية إليه.
وأما في الآخرة، فبإنشاء النشأة الآخرة بمجرد التصورات والجهات الفاعلية، فإن إنشاء الجسم وتصويره - لا عن مادة وحركة بل بمجرد التصور -، من ديدن القوى المجردة، فإن وجود الأفلاك عن مباديها من الملائكة الفعالة بإذن الله، من هذا القبيل، وكذا الحكم في ما تحضره نفس الإنسان في عالم باطنه وغيبه من الأجسام العظيمة، والأشكال العجيبة التي لم تعهد من هذه الأجساد، والبساتين النزهة التي لم يخلق مثلها في البلاد، فإن جميعها حصلت من جانب الفاعل بلا مشاركة القابل.
وسينكشف لك إنشاء الله، سر المعاد وحشر الأجساد على وجه لم يبق لأحد فيه مجال الشك والارتياب، ويزول به التشوش في الكلام والاضطراب.
والحق، أن قياس أمور الآخرة وأحوالها، على ما يجده الإنسان ويشاهده من هذا العالم، من نقص العقل، وقصور الحكمة، وضعف البصيرة - والله أعلم -.
تتمة:
لما كان معظم اللذات الحسية المساكن والمطاعم والمناكح، وكان ملاك السرور بها كلها الدوام وعدم الإنصرام - وإلا لكانت منغصة غير صافية عن شوائب الآلام بالتمام -، بشر الله المؤمنين بالجنان، وبما رزقوا فيها من المطاعم والمناكح، وآمنهم من خوف الفوات بوعد الخلود زيادة في البشارة، وتكميلا لبيان السعادة.
Página desconocida