454

[المائدة:64]. وليس ذاته أيضا محلا لارادات متجددة وحوادث متعاقبة - سواء كانت متناهية كما ذهب إليه المعتزلة، أو غير متناهية كما ذهب إليه بعض المتفلسفة كأبي البركات البغدادي وغيره، أثبتوا على واجب الوجود إرادات متجددة متعاقبة غير متناهية، وزعموا أنه يفعل شيئا ثم يريد بعده شيئا آخر، فينفعل، ثم يريد فيفعل، وله إرادة ثابتة أزلية، وإرادات متجددة لا تتناهى، وخالفوا في ذلك البرهان والقرآن جميعا، كما فصل في مقامه، وألزم عليهم أن يكون إله العالمين جسما متحركا على الدوام، متأثرا عن غيره كسائر الأجرام، تعالى عما يقوله الجاهلون علوا كبيرا - فلا جرم لما كانت قوته وقدرته غير متناهية، وجوده وكرمه غير واقف عند حد ليحصل منه قدر متناه من الموجودات الممكنة، فوجب أن يكون من جوده وجود أمر دائم الحركات، وأمر دائم التأثر والانفعالات.

وذلك يوجب انفتاح أبواب البركات، ورشح فنون الخيرات إلى ما شاء الله، لأنه لم يكن الفاعل على الفيض بضنين، فيحصل الفيض على أهل الاستحقاق بحسب استحقاقه وقوة احتماله، حتى أن النملة مع حقارتها، لو كانت مستعدة لقبول العقل والعرفان، لوجب أن يفيض عليها الواهب المنان بلا مهلة.

فلا جرم يجب في العناية الربانية وجود جرم مستدير متحرك على الدوام، مؤثر فيما تحته إلى أن يشاء الله، وجرم آخر ساكن منفعل متأثر منه كذلك كحركة الآباء على الأمهات، لتولد البنين والبنات، فينبعث من حركة الفلك على وجه الأرض، وإنزال الماء منه إليها، أعداد المواليد، وأفضلها أفراد الإنسان المشابهة بحسب الروح النفساني للأب العلوي الجسماني، وبحسب الروح الأمري للأب المعنوي والروح القدسي، فإذا كملت منها نفس بالعلم والعمل، عادت إلى الموطن الأصلي عند باريها وجنة أبيها، ومتى لم يكمل بأحدهما، مكثت زمانا طويلا أو قصيرا في طبقات الجحيم - كما فصل في مقامه -.

الإشراق الثاني:

أما ما يتعلق بخلق الأرض من عجائب الحكمة وغرائبها، فلا يمكن الاستقصاء فيها، لكن النبذ القليل منها، أن الله جعل الأرض في مركز الفلك ووسط الكل، فإنها لو كانت مجاورة للأجرام العلوية لاحترقت، لشدة تسخين الحركة الدائمة فصارت نارا محضة، وعلى تقدير بقائها أرضا، ما كان يمكن أن يتكون عليها حيوان، ولا أن ينبت منها نبات، وذلك ينافي ما ذكرناه من الرحمة الشاملة.

ومن رحمته أيضا، جعلت الطبقة النارية مجاورة للسماء بعيدة عن الأرض، وإلا لتضاعف التسخين بتوسيطها بين الأرض والهواء، إذ لو جاورت الهواء من تحت، لأحالتها بدوام مجاورتها وسخنها الفلك أيضا بسرعة حركته، فاحترقت بواقي العناصر وصار الكل نارا، فانفسدت العناصر والمركبات كلها.

ولما كانت العناية مقتضية لوجود نفوس إنسانية شريفة مستكلمة بالعلم والطهارة، ولا يمكن ذلك بدون أبدان حيوانية ونباتية يغلب على أكثرها العنصر اليابس، الذي يمسكها ويحفظ الصور والأشكال عليها، وأيضا لحاجة الحيوان لتنفسه بل النبات أيضا لتبسطه، إلى أن يستقر على مكان يحيط بجوانبه الهواء، ولا يغرق في جسم متراكم، فلا بد أن يكون موضع أفراد الحيوان والنبات جسم بارد يابس متماسك الأجزاء، فخلق الله الأرض كذلك ليجاورها وليستقر عليها الحيوان والنبات الغالب عليهما الأرضية.

وإليه الإشارة بقوله: { جعل لكم الأرض فراشا } إذ " الفراش " في اللغة إسم لما يفرش عليه، ك " المهاد " اسم لما يمهد، " والبساط ": لما يبسط. فليس ذلك دليل على أن الأرض مسطحة وليست بكروية، ولا يلزم إلا أن الناس يفترشونها ويفعلون بها ما يفعلون بالمفارش، سواء كانت على شكل المستوي أو الكروي، فالافتراش عليها غير مستنكر ولا مرفوع، لعظم جرمها وتباعد أكنافها وأطرافها، ولكن لا يتم الافتراش عليها إلا بشروط:

أحدها: أن لا تكون في غاية اللين، كالماء الذي تغوص فيه الرجل - كما وقعت إليه الإشارة -، ولا في غاية الصلابة، كالحجر، فإن النوم عليه مما يؤلم البدن، لتعذر أخذ الأثواب والأكيسة منه، وأيضا فلو كانت من الذهب - مثلا - لم تمكن الزراعة عليه، ولا اتخاذ الأبنية منه.

وثانيها: أن لا تكون في غاية الشفيف واللطافة، وإلا لما استقر عليه النور، ولم يقبل التسخن من الكواكب، فكان باردا جدا لا يصلح أن يكون فراشا للحيوانات؛ فمن لطف الله تعالى، أن جعل الأرض ذات لون غبراء ليستقر عليها ساطع الضياء.

Página desconocida