Tafsir
تفسير صدر المتألهين
واعلم أن هذه الوجوه كلها، وإن لم تكن برهانية تتنور بها قلوب ذوي البصائر الناظرين، وتسكن لديها حركة بواطن المتفكرين المسافرين إلى الله بقدم الصدق واليقين، لكنها وجوه حسنة للتفهيم والتعليم، ولإفحام المنكرين.
ومن هذا القبيل، قول بعض المحققين من العلماء، حيث استدل على وجود الباري وقدرته، بأن جرم الشمس وغيرها يرى في الأفق أعظم مما يرى في وسط السماء، مع أن البرهان الهندسي دال على أن الكوكب متى كان في وسط السماء، كان أقرب إلى موضع الناظر منه عند كونه في الأفق، فلما كان الحال على خلاف ما هو مقتضى طبيعة تلك الأجرام، فقد دل على وجود فاعل مختار يفعل ما يريد.
فهذا قياس مقبول عند الأكثر، أمكن به إلزام الجاحد، وربما كان مثله أكثر نفعا من كثير من البراهين.
فصل
وأما الحكم العقلية:
فاعلم أولا أن الله تعالى ذكر ههنا خمسة أنواع من الدلائل: إثنين من الأنفس، ومما خلقهم وخلق أصولهم، وثلاثة من الآفاق: جعل الأرض فراشا، والسماء بناء، وخلق الأمور الحاصلة من مجموعهما - وهي إنزال الماء من السماء، وإخراج الثمرات رزقا لنا ولسائر الحيوانات.
وسبب هذا الترتيب، إما لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه، ثم ما منه منشأه، ثم الأرض التي هي مكانه ومستقره، يقعدون عليها وينامون يتقلبون كما يتقلب أحدكم على فراشه، ثم السماء التي كالقبة المضروبة والخيمة المبنية على هذا القرار.
ثم ما يحصل من شبه الازدواج بين المقلة والمظلة - من إنزاله الماء عليها، والإخراج به من بطنها أشباه النسل من الحيوان، ألوان الغذاء وأنواع الثمار رزقا لبني آدم.
وإما لأن كل ما في السماء والأرض من الدلائل على وجود الصانع، فهو حاصل في الإنسان بزيادة الشهوة والغضب والدواعي النفسانية والأطوار الباطنية، ولما كانت الدلالة فيه أتم، كان تقديمه في الذكر أهم.
وأيضا، خلق المكلفين أحياء قادرين أصل جميع النعم، وأما الإنتفاع بوجود الأرض والسماء والماء، فذلك إنما يكون بشرط حصول الخلق والحياة والقدرة والشهوة، فلا جرم قدم ذكر الأصول على الفروع بالنسبة إليه.
Página desconocida