Tafsir
تفسير صدر المتألهين
الرابعة: ورع الصديقين، وهو الإعراض عما سوى الله، خوفا من صرف ساعة من العمر إلى ما لا يفيد زيادة قرب عند الله.
فهذه الدرجات كلها خارجة عن نظر الفقيه إلا الأول - وهو ورع الشهود والقضاة - فإذن، جميع طرق الفقه ترتبط بالدنيا، ومن تعلمه لا ليعمل - بل ليتقرب بتعاطيه إلى الله - فهو مجنون ".
" فإن قلت: فصل لي علم الآخرة تفصيلا يشير إلى تراجمه وإن لم يمكن استقصاء تفاصيله؟
فاعلم أنه قسمان: علم مكاشفة، وعلم معاملة.
أما الأول؛ فهو علم الباطن، وذلك غاية العلوم، فقد قال بعض العارفين: من لم يكن له نصيب من هذا العلم، أخاف عليه سوء الخاتمة؛ وأدنى النصيب منه التصديق به والتسليم لأهله، وأقل عقوبة من ينكره أنه لا يرزق منه شيئا، وهو علم الصديقين والمقربين - أعني علم المكاشفة -، فهو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهره وتزكيته من صفاته المذمومة، وتنكشف من ذلك النور أمور كان يسمع من قبل أسماءها ويتوهم لها معاني مجملة غير متضحة، فيتضح إذ ذاك، حتى تحصل المعرفة بذات الله وأسمائه وبكلماته التامات، وبأفعاله، ومعنى الوحي، ومعنى لفظ الملائكة والشياطين، وكيفية معاداة الشياطين للإنسان، وكيفية ظهور الملك للأنبياء، وكيفية وصول الوحي إليهم، ومعرفة ملكوت السموات والأرض، ومعرفة القلب؛ وكيفية تصادم جنود الملائكة والشياطين فيه، ومعرفة الفرق بين لمة الملك ولمة الشيطان، ومعرفة الآخرة، والجنة والنار، وعذاب القبر، والصراط، والميزان، والحساب، ومعنى قوله:
كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا
[الإسراء:14]. ومعنى قوله:
وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون
[العنكبوت:64]. ومعنى " لقاء الله " ، و " النظر إلى وجهه الكريم " ، ومعنى القرب منه، والنزول في جواره، ومعنى مرافقة الملأ الأعلى ومقارنة النبيين، ومعنى تفاوت الدرجات في الجنان حتى يرى بعضهم بعضا، كما يرى الكواكب اللاتي في جو السماء، إلى غير ذلك مما يطول تفصيله ".
ثم قال: " وأما علم المعاملة، وهو من علم أحوال القلب، ومعرفة ما يحمد وما يذم من صفاته، وكيفية إزالة الذمائم والأمراض منه حتى يزول عن مرآة القلب صداها وخبثها بقاذورات الدنيا، وترفع عنها الأغطية والأغشية، وتتضح له جلية الحق في الأمور التي تتعلق بعلم المكاشفة اتضاحا يجري مجرى العيان الذي لا يشك فيه.
Página desconocida