Tafsir
تفسير صدر المتألهين
والرابعة: إن العبد غير موجد لأفعاله، لما تقرر أن المؤثر في الوجود هو الله، ولأن العبد غير عالم بتفاصيل ما يفعله، ومن لا يعلم شيئا بتفاصيله لا يكون موجدا له، فالأمر له بذلك تكليف بالممتنع، وهو محال.
ولكل من هذه الشبه جواب تحقيقي عقلي مذكور في طي مسائل أخرى سابقة، فعليك باستخراجه.
والأشاعرة أجابوا عن الكل، بأنه يحسن عندنا من الله كل شيء سواء كان تكليفا بما لا يطاق أو غيره، لأنه خالق مالك، والمالك يتصرف في عبده حيث يشاء، ولا اعتراض لأحد عليه في ملكه.
وأجيب أيضا: بأن أصحاب هذه الشبه أوجبوا بما ذكروه اعتقاد عدم التكليف، فهذا تكليف بعدم التكليف، وإنه متناقض.
الخامسة: إن المقصود من التكليف، إنما هو تطهير القلب - على ما دلت عليه ظواهر القرآن - فلو قدرنا إنسانا مشتغل القلب دائما بالله تعالى، بحيث لو اشتغل بهذه التكاليف الظاهرة لصار ذلك عائقا له عن الاستغراق في معرفة الله تعالى، وجب أن يسقط عنه هذه التكاليف الظاهرة، فإن الفقهاء القياسيين قالوا: إذا لاح المقصود والحكمة في التكاليف، وجب اتباع الحكم المعقول، لا اتباع الظواهر.
والجواب عنه: أن المقصود من التكليف، وإن كان تطهير القلب وجلاءه لتجلي صورة المعرفة الإلهية، إلا أن الإنسان لا سبيل له إلى ذلك إلا بسبق أفعال وأعمال دينية توجب ذلك، وكل أحد نفسه مغمورة في أول الكون في عمق بحر الطبائع، والجة في غياهب ظلمات الدنيا، مغشاة بأغشية الحجب الجسمانية، ملطخة بالأخباث النفسانية، كالشهوة والغضب والأكل والجماع والنوم والهم والغم، وما يجري مجراها من خطرات الوهم وهواجس النفس، وغير ذلك.
وليس أيضا اشتغال القلب بالله، والتشوق إليه، مما يمكن حصوله إلا عقيب العبادات، وبعد إطالة النظر في تحصيل المعارف الإلهية، لا كما زعمه عوام الصوفية وغيرهم، فأنى يتيسر ذلك إلا بعد إقامة مراسم العبودية، وإطاعة أوامر الشريعة ونواهيها.
المسئلة الرابعة
إن مخالفة التكاليف وترك العبادات من العبد، لماذا يصير منشأ للعذاب وباعثا له تعالى على العقاب، مع أن ذاته مستغن عن طاعة العبد، منزه عن لذة الإنتقام، متعال عن الغرض الحاصل له من تعذيب المجرم والإيلام؟
والجواب: إن تكليف الله عباده، يجري مجرى تكليف الطبيب، فإذا غلبت عليه الحرارة أمره بشرب المبردات، وهو غني عن شربه، لا يضره مخالفته ولا ينفعه موافقته، كما اعترف به المعترض، ويساعدنا عليه، ولكن النفع والضر يرجعان إلى المريض ويلزمان لأفعاله، وإنما الطبيب مرشد فقط، فإن وفق المريض حتى وافق الطبيب، يشفى ويتخلص من ألم المرض، وإن لم يوفق وخالف، تمادى به المرض وهلك؛ وبقاؤه وهلاكه سيان عند الطبيب لاستغنائه عن بقائه وفنائه.
Página desconocida