349

واعلم أن كل منافق فهو شيطان بالحقيقة وبحسب الباطن، وإن كان ظاهره ظاهر الإنسان، إذ لا عبرة به، إنما العبرة بالقلب وأحواله، وما حشر إليه في يوم الآخرة، ويكون حشر المنافقين يوم القيام من قبورهم الى الشياطين، لغلبة صفة الشيطنة على قلوبهم، من المكر والحيلة والخديعة، وسوء الاعتقاد، والإغواء للخلق، وحب الاستيلاء والتمرد والتجبر، وغير ذلك.

بيانه: أن في الإنسان قوة علمية وقوة عملية. والعلمية منقسمة الى عقلية ووهمية. والعملية منقسمة الى شهوية وغضبية، وسعادته منوطة بتكميل القوة النظرية والبصيرة الباطنية بتكرير النظر الى حقائق الأشياء، والمطالعة للأمور الإلهية على وجه الحق والصواب، وبتسخير قواه الإدراكية والتحريكية وسياستها إياها لتصير مقهورة تحت أمرها ونهيها، ولا تكون متمردة عاصية، ولتلك القوى رؤوسا ثلاثة:

الوهم للادراكية، والشهوة والغضب للتحريكية، إذ كل منها متشعبة الى فروع كثيرة، وخوادم هي جنودها، ففي الإنسان ما دام كونه الدنيوي أربع شوائب: العقل والوهم والشهوة والغضب.

والأول ملك بالقوة. والثاني شيطان بالقوة. والثالث بهيمة بالقوة. والرابع سبع بالقوة.

وكل منها إذا قوي بتكرير أعمال وأفعال تناسبه، يصير ذلك الشيء الذي كان هو هو بالقوة، بالفعل، ويكون الحكم له في الإنسان ويحشر إليه.

فمن غلب عليه في الدنيا إدراك المعارف، والميل الى الطاعات، والتجرد عن الوساوس والعادات، والتوحش عن الدنيا والخلائق، يكون معاده الى عالم الملكوت الرباني صائرا ملكا ربانيا محشورا اليه مع الملائكة المقربين، قال تعالى:

يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا

[مريم:85].

ومن غلب عليه إدراك الوهميات الباطلة، وإبداء الشبهات والأقيسة الفاسدة، والميل الى المكر والحيلة والخديعة، والسمعة والرياء، والاستهزاء والسخرية للعباد، والشهرة في البلاد، والاستبداد بالرأي، والاتباع للهوى، ومخالفة أهل الحق، والإغواء للناس، فيكون معاده الى عالم الشياطين، صائرا شيطانا مريدا ملعونا محشورا مع الشياطين، كما قال تعالى:

فوربك لنحشرنهم والشياطين

Página desconocida