309

فالأولى أن يراد حقيقة المخادعة، أي وهم في ذلك يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأماني الباطلة، ويحدثونها بالأكاذيب، من الإيعاد بالخير، والوعد بالشر، وغير ذلك، وكذلك أنفسهم تعدهم وتمنيهم وتحدثهم بالأماني.

وتحقيق ذلك يبتني على معرفة النفس الإنسانية وهي: أن للنفس الإنسانية نشآت ومقامات متعددة، كالحسية والخيالية والعقلية، ولها مراحل ومنازل متفاوتة، كالدنيا والبرزخ والآخرة، وأكثر الناس ما داموا في الدنيا، فمقام نفوسهم بالفعل عالم الحس، ولها بالقوة نشأة الروح والعقل، وذلك إذا لم يبطل استعدادها لحصول النشأة الباقية، وأما إذا بطل ذلك، بمسخ باطنهم وطمسه بالكلية، فليست نفوسهم هي أرواحا ولا عقولا لا بالفعل ولا بالقوة، ولا لها نشأة إلا نشأة الحس فقط كنفوس سائر الحيوانات.

وبعض الناس، ممن خرجت نفسه من القوة الى الفعل في نشآته الثلاث - كالكمل من العلماء الإلهيين والأولياء - فلهم من الأحدية الحقة ما حازوا به الأكوان الثلاثة، ولا يشغلهم شأن عن شأن ولا يمنعهم موطن عن موطن.

فإذا تقرر هذا فنقول: النفس بحسب كل مقام ونشأة، هي غيرها بحسب مقام آخر ونشأة أخرى، وبواسطة مزاولة أفعال تناسب النشأة الدنيوية وتكريرها تقوي الجنبة السافلة منها وتضعف الجنبة العالية، وبالعكس عند مزاولة أفعال تناسب النشأة الآخرة وتكريرها.

وعند الرسوخ في الأفعال الشهوية والغضبية، والأعمال البهيمية والسبعية، تبطل النشأة العقلية والحياة الملكية بالكلية، بحيث لا يرجى إمكان عودها، وذلك هو الخسران المبين، لأن النفس خسرت ذاتها الباقية ونشأتها العقلية، وعوضت عنها بهذه النشأة الفانية والحياة الحسية كما قال:

خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون

[الأنعام:12]. بتضييع رأس مالهم، وهو الفطرة السليمة والعقل السليم.

ومن هذا القبيل، وقوع المخادعة بين النفس وذاتها، لكونها ذات وجهين: وجه الى الحس والشهوة والدنيا والشيطان، ووجه الى العقل والعدالة والعقبى والملك، ولكل من الوجهين أسباب ومهيجات، ودواعي وأغراض، وأشخاص من جنود الشيطان وجنود الملك، والمنازعة [بين القبيلين] والمطاردة قائمة في عرصة باطن الإنسان وميدان صدره، ومعركة قلبه عند بلوغ الإنسان الى مرتبة التمييز وصيرورته مكلفا، والمملكة الإنسانية - وهي البنية بما فيها من القوى والمشاعر والأجزاء - مشتركة بين الخصمين الى أن ينفتح لأحدهما ويتخلص عن الآخر.

وأكثر الناس ممن انفتحت عرصة باطنه ومملكة ظاهره للهوى والشيطان، وبقي لمقابلهما من العقل والملك اجتياز واختلاس وعبور فيها على الندرة، إلا من عصمه الله وقوى الملكية على نفسه الشيطانية.

فإذا ثبت حكم المحاربة بين النفس وذاتها باعتبار كونها ذات الوجهين، فكذلك حكم المخادعة بينها وبين ذاتها. كيف والحرب خدعة، فالمحاربة لا تخلو عن المخادعة، ومن هذا الباب حكم الآيات الدالة على مغايرة النفس لذاتها كقوله:

Página desconocida