261

ولما ثبت وتحقق مما ذكر من الكلام أن كل ما يقع في هذا العالم أو سيقع مقدر مكتوب بهيئته وزمانه ووضعه ومكانه في عالم آخر، فإن اشتبه عليك أيها القدري حال الأفعال المنسوبة الى الاختيار، وتخيل لك أنها على هذا التقدير واقعة بالاضرار والإجبار؛ فما بالنا نتصرف فيها بالتدبير والتغيير، ونصرفها بالتقديم والتأخير، ونجد الفرق بين المجبور عليه والمخير، والمختار والمضطر في جريان الأمر الإلهي في مجاري القضاء والقدر.

وتفكر في ترتيب سلسلة الأسباب والعلل، واعلم أن قدرة العبد وإرادته وعلمه وشوقه من الأسباب القريبة لفعله، وهي مستندة بأسباب أخرى متوسطة، وأخرى بعيدة، حتى تنتهي الى قدرة الله وعلمه وإرادته ومشيئته وقضائه وقدره.

فالقضاء والقدر، إنما يوجبان ما يوجبان بتوسط أسباب وعلل بعضها مقدمات مدبرات، كالملائكة السماوية، عقلية كانت أو نفسية، قلمية كانت أو لوحية وبعضها فاعلات محركات وموجبات مقتضيات، كالمبادي العالية من الجواهر الفلكية والصور المنطبعة، وبعضها قوابل واستعدادات ذاتية وعارضية.

والصور اللاحقة المادية والأوضاع الفلكية والأمور الاتفاقية كالإدراكات والإرادات الإنسانية، والحركات والسكنات الحيوانية، تختص بحال دون حال، وبصورة دون صورة، ترتبا وانتظاما معلوما في القضاء السابق.

فاجتماع تلك الأسباب والشرائط، مع ارتفاع الموانع، سبب تام يجب بها وجود ذلك الأمر المدبر المقضي المقدر، وعند تخلف شيء منها، أو حصول مانع، يبقى في حيز الإمكان أو الامتناع، فإذا كان من جملة الأسباب - وخصوصا القريبة - وجود هذا الشخص الإنساني وعلمه وإرادته وقدرته وتشوقه وتفكره وتخيله اللذان هما مختار أحد طرفي الفعل والترك، كان ذلك الفعل اختياريا واجبا وقوعه بجميع تلك الأمور التي هي علة تامة لوجود المقدور، ممكنا بالنسبة الى كل واحد منها، فوجب الفعل لا ينافي اختياريته. كيف! وقد مر أن الشيء ما لم يجب لم يوجد.

فإن قلت: مع حصول القدرة والإرادة إن كان الترك ممكنا، لم يكن الفعل واجبا، وإن لم يكن ممكنا لم يكن العبد مختارا؟

قلت: الترك غير ممكن، ولا يلزم من ذلك أن يكون مختارا، فإن الفعل الاختياري ما يكون الاختيار من جملة أسبابه، ويكون صدوره موقوفا بالاختيار، لا ما يكون ممكنا على تقدير تحقق علته التامة التي من جملتها الإرادة.

عقدة وحل

[لمية التكليف]

ثم إذا رجعت إلينا ثانيا وقلت: فما فائدة التكليف على هذا التقدير؟ لأنه إذا كانت الأسباب العالية مقتضية، والقوابل السفلية حاملة، والاستعدادات المادية مهيئة، أو متأبية معوقة؛ فصدور الفعل إما واجب او مستحيل، وعلى أي الوجهين فالتكليف بالأفاعيل عبث.

Página desconocida