[8.4-6]
{ أولئك هم المؤمنون حقا } يعني يقينا وتصديقا { لهم درجات عند ربهم } يعني درجات الجنة يرزقونها بأعمالهم { ومغفرة } من ربهم لذنوبهم { ورزق كريم } أي حسن عظيم وهو الجنة { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون } وذلك
" أن عير قريش أقبلت من الشام فيها تجارة عظيمة ومعها أربعون راكبا منهم أبو سفيان وعمرو بن العاص وعمرو بن هشام، فأخبر جبريل (عليه السلام) رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه، فأعجبهم تلقي العير لكثرة الخير وقلة القوم فلما خرجوا بلغ أهل مكة خروجهم فنادى أبو جهل فقال: النجاء النجاء فوق الكعبة أموالكم إن أصابها محمد لن تفلحوا بعدها أبدا، وقد رأت أخت العباس بن عبد المطلب رؤيا، فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة فمضى بهم إلى بدر، وكانت العرب تجتمع فيها لسوقهم يوما في السنة، ونزل جبريل (عليه السلام) فقال: يا محمد إن الله وعدك إحدى الطائفتين إما العير وإما قريشا، فاستشار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه وقال: " ما تقولون إن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول فالعير أحب إليكم أم النفير؟ " قالوا بل العير أحب إلينا من لقاء العدو، فتغير وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم رد عليهم وقال: " إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل " فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير وذر العدو، فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقام إليه رجال من الصحابة، ثم قام اليه سعد بن عبادة، ثم قام المقداد بن عمرو وقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله فأنا معك حيث أحببت، ولا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى بن عمران: { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون } ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكما مقاتلون ما دامت عين منا تطرف، فضحك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: " سيروا على بركة الله وابشروا ان الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني أرى مصارع القوم " ، وروي أن سعد بن معاذ قال: امض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق نبيا لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وما تخلف منا رجل واحد، وانا لصبر عند اللقاء والحروب، ولعل الله تعالى يريك منا ما تقر به عينك، ففرح بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: " سيروا على بركة الله وابشروا "
{ يجادلونك في الحق } يعني في القتال وذلك أن المؤمنين لما أيقنوا بالشوكة والحرب يوم بدر كرهوا ذلك، فقالوا: يا رسول الله لم تعلمنا بلقاء العدو حتى نستعد لقتالهم وإنما خرجنا للعير؟ فذلك الحق الذي جادلوا فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بلقاء النفير لأنه كان غرضهم العير { بعدما تبين } يعني باعلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنهم ينصرون وجدالهم قولهم ما كان خروجنا إلا للعير { كأنما يساقون إلى الموت } تشبيه لما كان منهم من مجادلة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وروي أنه ما كان فيهم إلا فرسان.
[8.7-14]
{ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين انها لكم } روى الثعلبي قال: ولما بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قريبا من بدر سمع أبو سفيان بمسير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري وبعثه إلى مكة يخبرهم أن محمدا قد خرج لعيرهم، فأتى مكة فأخبرهم بذلك فغضبوا وانتدبوا وخرجوا وقالوا: لا يتخلف عنا أحد وخرج الشيطان في صورة سراقة { وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم } وهي العير لأنه لم يكن معها إلا أربعون فارسا، والشوكة النجدة مأخوذة من واحدة الشوك { ويريد الله أن يحق الحق بكلماته } يعني بأمره لكم بقتال الكفار { ليحق الحق } بظهور الإسلام { ويبطل الباطل } الكفر، وقيل: الحق القرآن { إذ تستغيثون ربكم } وذلك أنهم لما علموا أنه لا بد لهم من القتال دعوا الله يقولون: اللهم انصرنا على عدونا يا غياث المستغيثين،
" وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نظر إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة فاستقبل القبلة ومد يده يدعو وقال: " اللهم انجزني ما وعدتني "
{ فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين } ، قيل: نزل جبريل (عليه السلام) في خمسمائة ملك على الميمنة وميكائيل (عليه السلام) على الميسرة في خمسمائة وفيها علي بن أبي طالب (عليه السلام)، روي أنها نزلت الملائكة يوم بدر على صورة الرجال عليهم ثياب بيض وعمائم بيض قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم فقاتلوا، ولم يقاتلوا إلا يوم بدر ويوم الأحزاب، وعن أبي داوود المازني: تبعت رجلا من المشركين لأضربه يوم بدر فوقع رأسه بين يدي قبل أن يصل إليه سيفي، وقيل: لما يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد، ويثبتون المؤمنين، وإلا فملك واحد كاف بأهل الدنيا، فإن جبريل أهلك بريشة من جناحه مدائن قوم لوط، وأهلك بلاد ثمود قوم صالح بصيحة واحدة { وما جعله الله } يعني الإمداد بالملائكة { إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله } فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه } وهي غاية الأمن لأن الخوف يسهر، قيل: لما أسهرهم الخوف أرسل الله عليهم النوم فأمنوا واستراحوا { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به } من الجنابة { ويذهب عنكم رجز الشيطان } ، وروي أنه أصابهم الظمأ، فوسوس اليهم الشيطان أنهم يهلكون من العطش، فأرسل الله عليهم المطر فشربوا وتطهروا ولبدت الأرض وزالت وسوسة الشيطان ورجز الشيطان وسوسته ومطاياه، وقيل: هو الاحتلام { وليربط على قلوبكم } أي يشدها ويقويها بالأمن وزوال الخوف { إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم بالمعونة والنصر فثبتوا الذين آمنوا } ، قيل: بقتالهم معهم يوم بدر، وقيل: بحضورهم معهم في الحروب { سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب } يعني الخوف أخبر به الملائكة ليخبر به المؤمنين { فاضربوا فوق الأعناق } ، قيل: هو أمر للملائكة، وقيل: بل هو للمؤمنين، قيل: ومعنى فوق الأعناق اضربوا الأعناق كقوله: { فضرب الرقاب } قال الأصم: سورة محمد نزلت بعد بدر، وقيل: معناه الأعناق فما فوقها، وقيل: فاضربوا الرؤوس فوق الأعناق { واضربوا منهم كل بنان } يعني اضربوا الرؤوس والأيدي { ذلك بأنهم شاقوا الله } يعني هؤلاء الكفار خالفوا الله فيما أمر الله به وخالفوا رسوله فيما شرع لهم { ذلكم فذوقوه } يعني هذا العذاب الذي عجله الله لكم أيها المشركون من القتل والأسر والخذلان جزاء لكم على فعلكم { وأن للكافرين } في القيامة { عذاب النار }.
[8.15-21]
{ يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا } الآية نزلت يوم بدر، وقيل: خطاب لجميع المؤمنين، وقوله: { زحفا } ، قيل: مجتمعين متراجعين بعضكم إلى بعض، والزحف التداني والتقارب { فلا تولوهم الأدبار } أي لا تولوهم ظهوركم هربا منهزمين { ومن يولهم يومئذ دبره } أي ظهره { إلا متحرفا لقتال }: يعني يعدل من جهة إلى جهة وهو ثابت على القتال { أو متحيزا إلى فئة } ، قيل: مائلا إلى جماعة، وقيل: الفئة الجماعة المنتصبة للقتال، وقيل: الإمام وجماعة المسلمين، وعن ابن عباس: الفرار من الزحف من أكبر الكبائر { فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم } لأنه الذي أنزل الملائكة وألقى الرعب في قلوبهم وذلك أنهم لما كسروا أعداء مكة وأسروا وقتلوا اقبلوا على التفاخر فكان القائل منهم يقول: قتلت وأسرت، فنزلت: { فلم تقتلوهم } { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى }
Página desconocida