861

وبعدما سمعت ما سمعت يا أكمل الرسل فأجر عليه، واذكر { فإذا قرأناه } أي: القرآن حين الوحي بلسان جبريل عليك { فاتبع قرآنه } [القيامة: 18] أي: تذكر وتتبع قراءته.

{ ثم } تتبع تلاوته وتكرر حتى ينتقش في صحيفة خاطرك، ويترسخ في ذهنك، ثم أجر على لسانك مرارا كذلك، ثم إن بقي لك شك وتردد في معناه { إن علينا بيانه } [القيامة: 19] أي: تبيينه وتوضحه لك، وإزالة ترددك إشكالك عنه.

ثم قال سبحانه: { كلا } ردعا لرسوله صلى الله عليه وسلم، وكفا لعموم عباده عن العجلة في جميع الأمور مبالغة وتأكيدا؛ لأن الإنسان مجبول على الاستعجال، مطبوع عليه؛ لذلك بالغ سبحانه في النهي عنه، وأردف بهذا النهي حسب العاجل والآجل، فقال على سبيل الإضراب: { بل تحبون العاجلة * وتذرون الآخرة } [القيامة: 20-21] يعني: إن بني آدم كلهم مجبولون على العجلة؛ لذلك يحبون ويختارون اللذة العاجلة الدنيوية مع سرعة انقضائها وزوالها، على اللذة الآجلة الآخروية مع بقائها ودوامها، وعدم انقضائها أصلا، ويتركون الأعمال المقتضية لها.

لذلك { وجوه يومئذ } أي: يوم قيام الساعة { ناضرة } [القيامة: 22] طرية بهية مشرقة، يتلألأ منها أنوار اليقين والعرفان، وآثار الأعمال الصالحة والأخلاق المرضية، وهي وجوه أرباب العناية الموفقين على صلاح الدارين، وفلاح النشأتين.

لذلك حينئذ { إلى ربها ناظرة } [القيامة: 23] وبمطالعة لقائه مشرفة مسرورة.

{ ووجوه } أخر { يومئذ باسرة } عبوسة كلوحة، متغيرة مسودة.

بحيث { تظن } بل يجزم كل من نظر إليها { أن يفعل بها } ويعرض عليها { فاقرة } [القيامة: 25] داهية شديدة، ومصيبة عظيمة تكسر فقار ظهرها من هولها وشدتها.

[75.26-40]

{ كلا } أي: كيف تحبون وتختارون اللذة الفانية العاجلة على الباقية الآجلة؟! أما تتذكرون { إذا بلغت } النفس، وعزمت على التوديع والخروج { التراقي } [القيامة: 26] أي: عالم الصدر قريب المخرج؟!

{ وقيل } حينئذ في حقه؛ أي: الملائكة الموكلون على الموت، مستفهمين فيما بينهم على سبيل المشورة: { من } من { راق } [القيامة: 27] منا، قابض روحه، أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟.

Página desconocida