Tafsir
تفسير الجيلاني
عليك أيها المحمدي المراقب لكلمات الحق النازلة من الغيب إلى الشهادة، المتفرعة على الأسماء والصفات الذاتية الإلهية أن تترصد في عموم أوقاتك إلى ما سيتجدد من عالم الخفاء والكمون إلى فضاء البروز والظهور، ثم منها إلى البطون بمقتضى النشأة الحبية الإلهية، فلا بد لك أن تخلي همك وبالك عن مطلق الأشغال الشاغلة لك عن الالتفات والتوجه إلى الله، والتفرج بعجائب مصنوعاته، وغرائب مخترعاته، وإياك إياك أن تغفل عنه ساعة، فإنها تورثك حسرة عظيمة طويلة، وخسرانا عظيما إن كنت من جملة المستيقظين.
ربنا لا تزغ قلوبنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب.
[67 - سورة الملك]
[67.1-7]
{ تبارك هو } تعاظم وتعالى من كثرة الخيرات والبركات الملك الكامل { الذي بيده الملك } وبقبضة قدرته جميع التدابير الجارية فيه على وجوه الصور والتقادير { و } كيف لا { على كل شيء } من متفرعات جود وجوده { قدير } [الملك: 1] بالقدرة الشاملة، والإرادة الكاملة؟!
{ الذي خلق } وقدر { الموت والحياة } بمقتضى قهره ولطفه، وأدارهما بينكم أيها المكلفون { ليبلوكم } ويختبركم { أيكم أحسن عملا } وأصوبه وأصلحه، وأخلصه { و } إن لم تحسنوا العمل، ولم تصلحوه بعدما أمركم سبحانه بالإخلاص والإصلاح فقد ينتقم عنكم سبحانه بمقتضى غيرته؛ إذ { هو العزيز } الغالب القادر على وجوه الانتقام لمن خرج عن ربقة عبوديته { الغفور } [الملك: 2] المقتدر على وجوه الإنعام للمحسنين المخلصين.
وكيف لا، هو { الذي خلق } أظهر وأوجد { سبع سموت } على عدد الصفات السبع الذاتية، وجعلها { طباقا } متطابقة بعضها فوق بعض، جوف بعض، وجعل تطبيقاتها ونظمها على وجه أحكم، ونظام أبلغ، حيث { ما ترى } أيها الرائي { في خلق الرحمن } المستوي على عروش الأكوان { من تفاوت } ينبئ عن عدم رعاية الحكمة والمصلحة فيه، بل كلها على مقتضى الحكمة المتقنة البالغة؟! فإن شككت أيها المعتبر الرائي فيها؛ لقصور نظرك عن إحاطة ما فيها من الحكم والمصالح في بادئ الرأي { فارجع البصر } وتكرر النظر، ثم انظر { هل ترى } فيها { من فطور } [الملك: 3] خلل وشقوق وقعت فيها، لا على مقتضى الحكمة والإحكام؟.
{ ثم ارجع البصر } إن شئت وشككت { كرتين } مرتين أو مرارا كثيرة إلى حيث { ينقلب } ويرجع { إليك البصر } أي: بصرك { خاسئا } خائبا بعيدا عن المطلوب الذي هو رؤية الفطور والقصور { وهو } أي: نظرك حين رجوعه إليك { حسير } [الملك: 4] كليل كئيب من طول المعاودة، وكثرة المراجعة بلا فائدة تترتب عليها، وعائدة تفوز بها من إدراك الفطور والقصور.
{ و } من كمال قدرتنا، ومتانة حكمتنا: { لقد زينا السمآء الدنيا } أي: السماء المرئية من الدنيا { بمصبيح } أي: بكواكب كثيرة مضيئة، منيرة في الليل كالسرج، هي سبب رؤيتها، وإلا فلا ترى الأفلاك { و } من جملة اختباراتنا الواقعة بين عبادنا: إنا { جعلنها } أي: تلك المصابيح { رجوما } أي: سبب ظنون وجهالات { للشيطين } وهم المنجمون المرجفون الذين يرجمون بالغيب، مستمسكين بها وبحركاتها وأوضاعها { و } بعدما أظللناهم بها في الدنيا { أعتدنا لهم } في الآخرة { عذاب السعير } [الملك: 5] أي: النار المسعرة جزاء ما اجترءوا على الله بدعوى الإطلاع على المغيبات، مع أنه من الخصائص الإلهية، وما ذلك إلا من كفرهم بالله، واسقلاله في مطلق تصرفاته الواقعة في ملكه وملكوته.
{ وللذين كفروا بربهم } وادعوا معه الشركة في أخص أوصافه، وهو عالم الغيب { عذاب جهنم } البعد والخذلان، والطرد والحرمان { و } بالجملة: { بئس المصير } [الملك: 6] مصير أهل الكفر.
Página desconocida