793

{ و } بالجملة: { لولا أن كتب الله } المصلح لأمور دنياهم، ولم يفترض { عليهم الجلاء } ولم يخرجهم من أوطانهم { لعذبهم في الدنيا } بالقتل والأسر، وأنواع الإذلال والصغار، كما جرى على الكفرة المتمكنين في أمكانهم بعدهم { و } مع ذلك الإصلاح والكرامة لهم في الدنيا { لهم في الآخرة عذاب النار } [الحشر: 3] بواسطة إصرارهم على الكفر، وإنكارهم على الإسلام.

{ ذلك } الإذلال والصغار لهم في الدنيا والآخرة { بأنهم } أي: بسبب أنهم { شآقوا الله ورسوله } بمخالفة أمرهما، والخروج عن حكمهما { ومن يشآق الله } يعاقبه ألبتة { فإن الله } المنتقم الغيور { شديد العقاب } [الحشر: 4] صعب الانتقام، أليم العذاب على عصاة عباده إرادة واختيارا.

ثم لما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير حين نقضوا العهد الذي عهدوا مع الله ورسوله، تحصنوا بحصونهم وامتنعوا عن الإسلام، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع نخلهم وحرق بساتينهم، قالوا: يا محمد كنت تنهى عن الفساد في الأرض، فما بال قطع النخل وحرقها؟!

[59.5-7]

فسمع المؤمنون منهم ذلك، وأوجسوا في نفوسهم الكراهة، وعدم اللياقة، فنزلت: { ما قطعتم } أيها المؤمنون { من لينة } أي: من بعض نخلة من النخلات { أو تركتموها } بلا قطع شيء منها { قآئمة على أصولها } على ما كانت { فبإذن الله } أي: القطع والترك كلاهما بأمر الله وحكمه { و } إنما أمركم بالقطع والحرق { ليخزي الفاسقين } [الحشر: 5] أي: يرديهم ويذلهم بما غاظهم، ويضيق صدرهم.

{ و } اعلموا أيها المؤمنون أن { مآ أفآء الله } أي: رد الله وأعطاه { على رسوله منهم } أي: من يهود بني النضير من الأموال والعقار فهو لرسول الله خاصة خالصة، له أن يفعل به حيث شاء بلا حق لكم فيها، ليس مثل سائر الغنائم { فمآ أوجفتم } وأجريتم { عليه } أي: على تحصيله { من خيل ولا ركاب } نجائب الإبل؛ إذ هم مشوا إلى بني النضير رجالا لا فرسانا، وكانت المسافة ميلين من المدينة، ومع ذلك لا يقاتلون معهم مقاتلتكم مع سائر الكفرة { ولكن الله } المنتقم الغيور { يسلط رسله على من يشآء } من المستوجبين للطرد والمقت بلا وسائل القتال والحراب، بل يقذف الرعب، وإلقاء الخوف في قلوبهم وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة، الموجبة للهزيمة، لا عن شيء { والله } القادر المتقدر { على كل شيء } موجب لقهر أعدائه، ونصر أوليائه { قدير } [الحشر: 6] سواء وافق العادة أو لا.

وبالجملة: { مآ أفآء الله على رسوله من } أموال { أهل القرى } الهالكة بالغلبة والاستيلاء بلا مقاتلة وحراب { فلله وللرسول } سهم { ولذي القربى } من بني هاشم وبني المطلب سهم { واليتامى والمساكين وابن السبيل } سهام، وإنما قسم سبحانه مال الفيء بنفسه { كي لا يكون } الفيء الذي حقه أن يصل إلى الفقراء { دولة } متداولة { بين الأغنيآء منكم } ورؤسائكم، كما هو عادة الجاهلية الأولى { و } بعدما قسم سبحانه في كتابه { مآ آتاكم } وأعطاكم { الرسول } المستخلف منه سبحانه { فخذوه } بلا مراء ومجادلة معه { وما نهاكم عنه } بإذن الله { فانتهوا } أيضا عنه بلا مكابرة وإصرار { و } بالجملة: { اتقوا الله } عن مخالفة أمره، وأمر رسوله النائب عنه، واحذروا عن بطشه وانتقامه { إن الله } القادر على وجوه الانتقام { شديد العقاب } [الحشر: 7] على من خرج من ربقة عبوديته، ومقتضى ألوهيته.

[59.8-10]

ثم بين سبحانه مصارف الفيء بعد إخراج سهم الله ورسوله، وقدم منهم فقراء المهاجرين اهتماما بشأنهم فقال: { للفقرآء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم } أي: أخرجهم المشركون، ونهبوا أموالهم، وسبوا أولادهم، والحال أنهم في مصائبهم هذه { يبتغون } ويطلبون { فضلا } تفضلا وإحسانا { من الله ورضوانا } منه سبحانه؛ لكمال تمكنهم ورسوخهم في مقام الرضا والتسليم { و } مع ذلك { ينصرون الله } يترويج دينه، وإعلاء كلمة توحيده { ورسوله } بالمعاونة والمظاهرة، وبذل المال والنفس في تقويته ونصره { أولئك } السعداء المقبولون، الباذلون مهجهم في طريق الحق، وتقوية دينه القويم وصراطه المستقيم، ونصرة رسوله الكريم { هم الصادقون } [الحشر: 8] المقصورون على الصدق والإخلاص ظاهرا وباطنا.

{ و } بعد أولئك الفقراء الأنصار، وهم { الذين تبوءوا الدار والإيمان } أي: توطنوا وتمكنوا في المدينة، ورسخوا على الإيمان والإسلام بالعزيمة الصادقة الخالصة { من قبلهم } أي: قبل هجرة المهاجرين إليها، ومع رسوخهم وتمكنهم في الإيمان { يحبون } محبة خالصة { من هاجر إليهم } من المؤمنين { و } من كمال محبتهم وإخلاصهم بأخوانهم المهاجرين: { لا يجدون في صدورهم } ووجدانهم { حاجة } باعثة لهم إلى أن يحسدوا { ممآ أوتوا } وأعطوا؛ أي: المهاجرين من سهام الفيء، وسائر الغنائم والصدقات؛ وذلك من غاية محبتهم ومودتهم بالنسبة إليهم، بل { ويؤثرون } أي: يختارون ويقدمون المهاجرين { على أنفسهم } حتى إن من كان له امرأتان نزل عن واحدة وزوجها على أحدهم.

Página desconocida