Tafsir
تفسير الجيلاني
وبعدما سمعت يا أكمل الرسل ما سمعت من فضل الله، ولطفه، وسعة رحمته، وجوده مع أوليائه { فذكر } واثبت على العظة والتكذير لعموم عباد الله، ولا تبال بقولهم الباطل في حقك { فمآ أنت بنعمة ربك } التي هي الآيات المنزلة إليك، الملهمة من ربك { بكاهن } مبتدع مفتر مجترئ على الإخبار عن المغيبات بلا روحي من قبل الحق وإلهام من جانبه { ولا مجنون } [الطور: 29] مختل العقل، مخبط الرأي كما يزعم في شأنك المسرفون المتفرون. { أم يقولون شاعر } فصيح بليغ بلغ على حد من البلاغة، عجز عن معارضته أقرانه مع البلغاء، فنحن { نتربص } وننتظر { به ريب المنون } [الطور: 30] أي: من الأيام وكر الأعوم إلى أن يموت، فنخلص من فتنته وشرته.
{ قل } لهم يا أكمل الرسل: { تربصوا } وانتظروا لمقتي وموتي { فإني } أيضا { معكم من المتربصين } [الطور: 31] المنتظرين لمقتكم وهلاككم، والأمر بيد الله، والحكم مفوض إلى مشيئته، موكول إلى إرادته، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
أهم يكابرون في هذه الأحكام المتناقضة مجادلة ومراء، وينسبونك مرة إلى الكهانة المتضمنة الفطانة، ومرة إلى الجنون المنبئ عن نهاية البلادة، وتارة إلى الشعر المستلزم للوزن والقافية، مع أن ما جئت به من الكلام عار عن الوزن، خال عن القافية مطلقا.
[52.32-49]
{ أم تأمرهم أحلامهم } السخيفة المستمدة من أوهامهم الضعيفة { بهذآ } القول الباطل الزاهق الزائل { أم هم قوم طاغون } [الطور: 32] بغون متناهون في العتو والعناد، صدر عن أمثال هذه، بلا تأمل وتدبر على مقتضى عتوهم وثروتهم وكبرهم وخيلائهم.
{ أم يقولون تقوله } واخلتقه من تلقاء نفسه، ونسبة إلى الوحي والإلهام تغيرا وترويجا { بل } معظم أمرهم وقصارى رأيهم أنهم { لا يؤمنون } [الطور: 33] به وبك، فيتفوهون بأمثال هذه المطاعن والقوادح من شدة شكيمتهم، وغلظ غيظهم وضغينتهم معك يا أكمل الرسل.
وبعدما بالغوا في القدح والطعن، وبلغوا غاية اللإنكار والإصرار، قل لهم يا أكمل الرسل على سبيل التعجيز والتبكيت: { فليأتوا بحديث مثله } أولئك المسرفون المفرطون { إن كانوا صادقين } [الطور: 34] في زعمهم ومفترياتهم مع أنهم لم يأتوا بمثله، ولا يتأتى منهم الإتيان أيضا، وإن يتظاهروا ويتعاونوا بجميع ما في الأرض؛ إذ هو خارج عن طور البشر ومشاعره.
أيصرون على إنكار الخالق مع أنهم مخلوقون { أم } اعتقدوا أنهم { خلقوا من غير شيء } وبلا فاعل موجد { أم } اعتقدوا نفوسهم أنهم { هم الخالقون } [الطور: 35] المستقلون على إيجاد هياكلهم بلا مؤثر خارجي هو الله، أيحصرون حينئذ خالقيتهم لأنفسهم فقط؟!
{ أم } اعتقدوا أنهم { خلقوا السماوات والأرض } أي: العلويات والسفليات والممتزجات؟! وبالجملة: لا ينكرون حدوث الأشياء، واستنادها المحدث المؤثر { بل لا يوقنون } [الطور: 36] ولا يتصفون باليقين في إثبات الموجد القديم وتوحيده.
أهم يثبتون مرتبة النبوة من تلقاء أنفسهم، ويختارون لها من يريدون { أم عندهم خزآئن ربك أم هم المصيطرون } [الطور: 37] الغالبون المقتدرون على عموم مقاصدهم ومطالبهم، فيفعلون جميع ما يأملون ويشاءون، بالإدارة ولاختيار؟!
Página desconocida