Tafsir
تفسير الجيلاني
{ وعاد } أخاك هودا عليه السلام { وفرعون } وملؤه أخاك موسى الكليم { وإخوان لوط } [ق : 13] سماهم إخوانه؛ لأنهم أصهاره، أخاك لوطا عليه السلام.
{ وأصحاب الأيكة كل كذب الرسل } أخاك شعيبا عليه السلام { وقوم تبع } وهو تبع الحميري، واسمه أسعد أبو كريب، كذبوا علماءهم وأئمتهم المصلحين وإرشادهم أمثال هؤلاء المسرفين المكذبين لك يا أكمل الرسل { فحق } أي: حل ولحق عليهم { وعيد } [ق: 14] الموعود لهم بتكذيبهم وإصرارهم، فهلكوا واستؤصلوا، فكذا هؤلاء المكذبون المسرفون سيهلكون ويستأصلون عن قريب، فاصبر يا أكمل الرسل على أذاهم ولا تستعجل لهم فسيرون ما يوعدون.
ثم قال سبحانه على سبيل الإنكار والاستبعاد على المنكرين المستعبدين بالحشر والبعث: { أفعيينا } أي: ينكرون قدرتنا على الإعادة، وتظنون أن صرنا عاجزين { بالخلق الأول } أي: الإبداء الإبداعي عن الخلق الثاني الإعادي، ويزعمون أن قدرتنا تفتر وتضعف عند الخلق الأول، بل ينتهي دونه، ولم يعلموا أن قدرتنا لكل مقدور من المقدورات في كل آن من الآناء على شأن من الشئون الكمالية، بحيث لم يمض مثله، ولا يتأتى شبهه { بل } يتفطن بمقتضى الفطرة الأصلية أن { هم } في أنفسهم دائما { في لبس } وخلع { من } توارد { خلق جديد } [ق: 15] منا، وإيجاد متجدد من قبلنا في كل آن وزمان حسب قدرتنا واختيارنا.
[50.16-35]
{ و } بالجملة { لقد خلقنا الإنسان } وأظهرناه من كتم العدم { و } نحن { نعلم } منه حنيئذ { ما توسوس } وتحدث { به نفسه } وتخطر بباله الآن من أمثال هذه الأوهام والخيالات الباطلة، والمترتبة على حصة ناسوته، المقيدة بسلاسلا الرسوم وأغلال العادات الموروثة له من العقل الفضول، الممتزج بالوهم بسلاسل الرسوم وأغلال العادات الموروثة له من العقل الفضول، الممتزج بالوهم الجهول { و } كيف لا نعم من هواجس نفسه؛ إذ { نحن أقرب إليه من حبل الوريد } [ق: 16] أي: وريده، وهو مثل من القرب المفرط، كما قال: الموت أدنى لي من الوريد، وإضافة الحبل إليه للبيان، وبالجلمة: نحن أقرب إليه منه.
الوريدان: هما العرقان المنبثان من مقدم الرأس، المتنازلان من طرفي العنق، المتلاصقان عند القفا، المنتهيان إلى آخر البدن، وهما قوام البدن ومداره عليهما؛ إذ هما أقوى عالم هيكل الإنسان.
وبالجملة: نحن حسب روحنا المنفوخ فيه من عالم اللاهوت أقرب إليه من ناسوته، لا على توهم المساففةن ولا على طريق التركب والاتحاد والحلول والامتزاج، بل على وجه الظلية والانعكاس، ومع غاية قرب الحق إليه وكمال إحاطته إياه، وكل عليه الحفظة من الملائكة؛ ليراقبوا أحواله إلزاما للحجة عليه لدى الحاجة يوم القيامة.
اذكر يا أكمل الرسل: { إذ يتلقى } ويتحفظ { المتلقيان } الموكلان عليه { عن اليمين وعن الشمال قعيد } [ق: 17] أي: قاعد كل من الموكلين عن يمنه وشماله، مترقبين على أحواله وأعماله وأقواله، بحيث { ما يلفظ } ويتلفظ { من قول } يرميه من فيه { إلا لديه رقيب } حفيظ عليه { عتيد } [ق: 18] مهيأ، معد، حاضر عنده، غير مغيب على وجه لا يفوت عنه شيئا من ملتقطاته.
{ و } هما يحفظانه ويرقبان عليه وقت؛ إذ { جاءت } وحضرت { سكرة الموت } شدته وغمراته { بالحق } والحقيقة وظهرت علاماته، وانكشفت عليه أهواله وأماراته، قيل له حينئذ من قبل الحق: { ذلك } أي: الموت الذي ينزل عليك الآن { ما كنت منه تحيد } [ق: 19] أي: الموت الذي أنت تميل، وتفر عنه فيما مضى.
{ و } بعدما ذاق مرارة العذاب وقت سكرات الموت { نفخ في الصور } للبعث والحشر، فإذا هو حينئذ قائم، هائم ينظر، قيل له من قبل الحق على سبيل التهويل: ألست تنظر وتتحير يا مسكين؟! { ذلك } اليوم الذي أنت فيه الآن { يوم الوعيد } [ق: 20] الموعود لك في دار الدنيا، وأنت حينئذ لم تؤمن به ولم تخف من أهواله حتى وقعت فيه، وذقت من عذابه.
Página desconocida