723

{ يأيها الذين آمنوا } مقتضى إيمانكم إطاعة الله وإطاعة رسوله { أطيعوا الله } المظهر لكم من كتم العدم، المنعم عليكم بأنواع النعم وأصناف الكرم { وأطيعوا الرسول } الهادي، المرشد لكم إلى توحيد الحق وكمالات أسمائه وأوصافه { ولا تبطلوا أعمالكم } [محمد: 33] بالإعراض عن الله، والانصراف عن متابعة رسوله.

{ إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا و } الحال أنه { هم كفار } مصرون معاندون على ما هم عليه طول عمرهم { فلن يغفر الله } [محمد: 34] أبدا لإشراكهم بالله وخروجهم عن ربقة عبوديته بمتابعة أهويتهم الباطلة وآرائهم الفاسدة.

وبعدما أطعتم الله ورسوله أيها المؤمنون، وأخلصتم في إطاعتكم وانقيادكم ثقوا واعتصموا بحبل توفيقه ونصره { فلا تهنوا } ولا تضعفوا عن الجهاد والمقاتلة { و } لا { تدعوا } وتركنوا { إلى السلم } والصلح، وبالجملة: لا تجنوا { وأنتم الأعلون } الأغلبون، أيها الموحدون المحمديون؛ إذ الحق يعلو ولا يعلى { و } كيف لا تتصفون بصفة العلو والغلبة؛ إذ { الله } المحيط بكم { معكم } لا على وجه المقارنة والاتحادن ولا على سبيل الحلول والامتزاج، بل على وجه الظهور والبروز وامتداد الأظلال عليكم وانعكاسكم منها { و } بعدما صار الحق معكم على الوجه المذكور { لن يتركم } ولن يضيع عليكم { أعمالكم } [محمد: 35] التي جئتم بها مخلصين؛ طلبا لمرضاة الله وهربا عن مساخطه؛ إذ الموعد المعتدل دائما بين الخوف والرجاء، وكيف لا يكون كذلك؛ إذ هو مستو على مستن الصراط المستقيم الذي هو أدق وأرق من كل دقيق ورقيق.

وبعدما سمعت صفة صراط ربك يا أكمل الرسل { إنما الحيوة الدنيا } أي: ما الحياة الدنيا إلا { لعب } يعلب بها أبناء بقعة الإمكان وهم غافلون عن حقيقتها { ولهو } يهلى ويحير قلوبهم في تيه الغفلة والضلال، وهم تائهون فيها ساهون عمن ظهر عليها { و } بعدما سمعتم نبذا من أوصاف دنياكم { إن تؤمنوا } بوحدة الحق وبكمالات أسمائه وصفاته الظاهرة آثارها على هياكل الهوايات المستحقة في الكائنات، وتوكلوا عليه مفوضين أموركم كلها إليه، واتخذوه وكيلا واتخذوه كفيلا، واعتصموا بحبل توفيقه ثقة واعتمادا { وتتقوا } أي: تحفظوا أنفسكم عن الميل إلى ما سوى الحق من الأماني العاطلة الإمكانية، العائقة الدنية الدنيوية، المثمرة لغضب الحق بمقتضى قدرته الجليلة { يؤتكم } بمقتضى إرادته الجليلة الجميلة { أجوركم } التي استوجبتم بصوالح أعمالكم، ويزيد عليكم تفضلا وإحسانا ما لا مزيد عليكم من اللذات الروحانية { ولا يسألكم } ويطلب منكم بمقابلة ما أفاض عليكم من الكرامات { أمولكم } [محمد: 36] أي: جميعها، بل مقدار ما يزكي بها نفوسكم ويطيب لها قلوبكم من الشح المفرط والميل المتبالغ، فكيف أن { يسألكموها } ويطلب منكم سبحانه جميعها { فيحفكم } ويبالغ عليكم في طلب ما اقترفتم؟ { تبخلوا } ألبتة على الله ورسوله، وتظهروا الحقد فلا تعطوا، بل { ويخرج } أي: يبرز ويظهر بخلكم وحقدكم هذا { أضغانكم } [محمد: 37] وشكائمكم التي تضمرونها في نفوسكم.

وبالجملة: { ها أنتم } أيها الحمقى الغافلون عن مقتضى الألوهية والربوبية { هؤلاء } البخلاء المغرورون بحطام الدنيا الدنية، المغمورون في لذاتها وشهواتها الفانية العائقة عن اللذات الأخروية، إنما { تدعون لتنفقوا } مما أنتم مستخلفون فيه { في سبيل الله } فتفوزوا بالمثوبة العظمى والكرامة الكبرى عنده سبحانه، وبعد وصول الدعوة إليكم { فمنكم من يبخل } أي: يمنع ولم يعط بل يظهر ما يضمر في نفسه من الضغن والحقد.

{ و } بالجملة: { من يبخل } من مال بعدما أمر بإنفاقه { فإنما يبخل عن نفسه } إذ نفع الإنفاق وضرر البخل كلاهما عائد إليها { والله الغني } المستغنى بذاته عن هموم صدقاتكم ومطلق طاعاتكم وعباداتكم { وأنتم الفقرآء } المقصورون على الفقر والاحتياج الذاتي إلى ما عنده سبحانه من أنواع الإنعام والإحسان { و } بعدما بلغت لهم يأكمل الرسل ما بلغت من مقتضيات الوحي والإلهام الإلهي { إن تتولوا } وتنصرفوا عن الإيمان وامتثال عموم المأمورات { يستبدل قوما غيركم } أي: يهلككم ويقيم بدلكم قوما يؤمنون ويقيمون بامثتال الأوامر والنواهي { ثم } لما علموا واعتبروا منكم وشاهدوا مقتكم وهلاككم { لا يكونوا أمثالكم } [محمد: 38] كافرين بالله كفارا لنعمه ولحقوق كرمه.

خاتمة السورة

عليك أيها القاصد نحو طريق التوحيد، العازم على سلوك سبيل الفناء المثمر للبقاء الذاتي - أوصلك الله إلى غاية مبتغاك ونهاية ممتناك - أن تعتدل في عموم أوصافك وأخلاقك، سيما في أحوالك التي تتعلق بالإنفاق المأمور عليك بمقتضى الحكمة والعدالة الإلهية، الناشئة من الله عن محض الإرادة والرضا، وإياك إياك البخل والتقتير، فإنه الجالب لحلول غضب الله ونزول أنواع سخطه بمقتضى قهره وجلاله، فعليك الامتثال بالمأمور، والاتكال على الملك الرحيم الغفور.

[48 - سورة الفتح]

[48.1-9]

Página desconocida