Tafsir
تفسير الجيلاني
وبعدما أيس عن إيمانهم، بل خاف عن مكرهم وطغيانهم، قلنا له: إن كان الأمر كذلك { فأسر بعبادي } أي: سر معهم { ليلا } وبعدما علموا خروجك { إنكم متبعون } [الدخان: 23] أي: يتبعكم فرعون وجنوده ليلحقوكم ويستأصلوكم.
وبعدما وصلتم غدوة، وهم على أثركم مدركون بكم، فاضرب حينئذ بعصاك البحر، فانفلق وتفرق من كمال قدرتنا، وادخل أنت ومن معك بلا خوف من الغرق، فاعبروا سالمين { و } بعد عبوركم { اترك البحر رهوا } ذا فجوة وانفلاق ولا تقصد إلى اجتماعه خوفا من عبورهم، ولا تضرب بالعصا ليجتمع { إنهم جند مغرقون } [الدخان: 24] بعد دخولهم ألبتة، لا تخف منهم ومن إدراكهم ، ففعل موسى عليه السلام كذلك، فعبروا سالمين، وترك البحر على هيئته، فاقتحمه فرعون وجنوده بأجمعهم اغترارا بعبورهم بافتراق البحر وانفلاقه، فلما دخلوا اتصل البحر فغرقوا بالكلية.
[44.25-33]
وبعدما هلكوا { كم تركوا } أي: كثيرا تركوا { من جنات } منتزهات { وعيون } [الدخان: 25] جاريات فيها { وزروع } كثيرة في حواليها { ومقام كريم } [الدخان: 26] أي: محافل مزينة ومنازل حسنة في خلالها { ونعمة } أي: أسباب تنعم وترفه من الأمتعة والنسوان { كانوا فيها } أي: في تلك الجنات { فاكهين } [الدخان: 27] متنعمين مترفهين، كذلك فعلنا بهم معهم من كمال قدرتنا، بعدما أردنا إهلاكهم وانتقامهم بسبب تكذيبهم واستكبارهم على رسولنا، وهكذا نفعل مع كل مكذب متكبر، لا يؤمن بيوم الحساب.
{ كذلك } بعدما تركوا الكل على ما كان وهلكوا { وأورثناها } أي: تلك الجنات وما يتفرع عليها من المستلذات المتروكات { قوما آخرين } [الدخان: 28] لا قرابة بينهم نسبيا ودينا، وهم بنو إسرائيل، وبعدما هلكوا واستؤصلوا.
{ فما بكت عليهم السمآء والأرض } أي: لم تكترثا، ولم تعتدا بهلاكهم واستئصالهم أصلا، مثل اعتدادهما لهلاك المؤمنين وفقدهم، قال صلى الله عليه وسلم:
" ما من عبد مؤمن إلا له في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل منه عمله فإذا فقداه وبكيا عليه ".
وعن المرتضى الأكبر كرم الله وجهه: إذ مات المؤمن بكى عليه مصله من الأرض ومصعد عمله من السماء، قال السدي: لما قتل الحسين بن علي - رضي الله عنهما - بكت عليه السماء، وبكاؤها عبارة عن حمرة أطرافها.
{ و } هم من غاية انهماكهم في الغي والضلال واستئصالهم بالمقت والهلاك { ما كانوا منظرين } [الدخان: 29] ممهلين مؤخرين إلى وقت آخر، بل أخذتهم العزة بإثمهم حيث لا يمهلهم ولا يسوف عليهم ساعة.
{ ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين } [الدخان: 30] وهو استبعادهم وقتل أبنائهم واستحياء نسائهم استذلا لا لهم واستهانة عليهم، وإنما نجيناهم كرامة من إياهم وامتنانا عليهم، وكيف لا يهينهم العذاب النازل عليهم.
Página desconocida