702

وهم مع كمال كراهتهم للحق وذبهم عنه لا يقتصرون عليها { أم أبرموا } أي: بل حكموا وقطعوا { أمرا } حكما مبرما، مكرا وخديعة لرد الحق وتكذيب أهله { فإنا } بمقتضى قهرنا وجلالنا { مبرمون } [الزخرف: 79] حاكمون حكما قطعيا بإنزال العذاب المخلد عليهم جزاء لمكرهم وخداعهم.

أيشكون ويترددون أنا لا نقدر على انتقامنا وأخذهم { أم يحسبون أنا لا نسمع } نعلم وندرك { سرهم } الذي يخفونه في ضمائرهم { ونجواهم } الذي يتناجون به في هواجس نفوسهم { بلى } إنا عالمون بجميع ما يجري في أسرارهم وضمائرهم، مطلعون بعموم ما صدر من استعداداتهم وقابلياتهم { و } مع إحاطة علمنا بهم ولأحوالهم { رسلنا لديهم يكتبون } [الزخرف: 80] جميع ما صدر عنهم، نقيره وقطميره، حتى نحاسبهم عليه، ونجازيهم بمقتضاه.

[43.81-84]

ثم لما شاع قول اليهود والنصارى بولديه عزير وعيسى، ومال إليه أولو الأحلام الضعيفة منهم ومن غيرهم، رد الله عليهم على أبلغ وجه وآكده، بأن أمر حبيبه صلى الله عليه وسلم بالقول على سبيل الفرض والتقدير: { قل } لهم يا أكمل الرسل بعدما بالغوا في هذه الفرية البعيدة عن الحق بمراحل مستحيلة في نفسها: { إن كان للرحمن ولد } أي: إن صح وجاز أن يكون له ولد متصف ببنوته { فأنا أول العابدين } [الزخرف: 81] لابنه؛ إذ أنا أعلم الناس بلوازم الألوهية وأحفظهم بحقوق الربوبية، إن كان له سبحانه ولد أنا أحق بعبوديته وتعظيمه من جميع بريته.

{ سبحان رب السموت والأرض رب العرش } أي: تنزه وتعالى شأن من هو مربي العلويات والسلفيات، المنبسط بالإحاطة التامة والاستيلاء الكامل الشامل على عموم عروش المظاهر بالاستقلال والانفراد { عما يصفون } [الزخرف: 82] أولئك الواصفون من نسبة الولد والمولود له، تعالى شأنه عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

وبعدما انكشفت يا أكمل الرسل بحقية الحق ووحدته وحميديته: { فذرهم يخوضوا } في أباطليهم ويستغرقوا في ظلالهم وغفلاتهم { ويلعبوا } بمقتضيات أوهامهم وخيالاتهم { حتى يلقوا } يلحقوا { يومهم الذي يوعدون } [الزخرف: 83] بملاقات ولحوق ما فيه من أنواع العقوبات والنكبات.

{ و } كيف يتخذون له سبحانه ولدا وينسبون له شريكا، مع أنه سبحانه { هو الذي في السمآء } أي: علام الأساء والصفات { إله } يعبد له ويرجع إليه مع صرافة وحدته الذاتية { وفي الأرض } أي: عالم الطبيعة والهيولي { إله } كذلك بلا تعدد وتغير في ذاته { و } بالجملة: { هو الحكيم } المقصور على الحكمة المتقنة البالغة لا حاكم سواه { العليم } [الزخرف: 84] المقصور على العلم الكامل الشامل، المحيط بجميع ما لاح عليه بروق تجليات الوجود وشروق شمس الذات.

[43.85-89]

{ وتبارك } أي: تعاظم وتعالى الذات القادر العليم الحكيم { الذي له ملك السموت والأرض } أي: العلويات والسفليات { وما بينهما } من المركبات والممتزجات، تدبيرا وتصرفا على وجه الاستقلال بالإرادة والاختيار { وعنده علم الساعة } الموعودة قيامها من عنده سبحانه { و } بالجملة: { إليه ترجعون } [الزخرف: 85] في النشأة الأخرى رجوع الأظلال إلى الأضواء والأمواج إلى الماء.

{ و } بعدما ثبت وحدة الحق واستقلاله في ملكه وملكوته { لا يملك } ولا ينفع المشركين المسرفين { الذين يدعون } ويعبدون { من دونه } سبحانه { الشفاعة } عنده من آلهتهم الذين زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله { إلا من شهد } أن الشفاعة؛ أي: إلا شفاعة من أقر { بالحق } واعترف بتوحيده { وهم } مع إقرارهم واعترافهم { يعلمون } [الزخرف: 86] وينكشفون بوحدة ذاته وكمالات أسمائه وصفاته.

Página desconocida