657

ثم إن أرادوا - يعني: قريشا - أن يخدعوك ويلبسوا عليك الأمر، بأن أمروك باستلام بعض آلهتهم ليؤمنوا بإلهك { قل } قل لهم يا أكمل الرسل على سبيل التعيير والتوبيخ: { أفغير الله } الواحد الأحد الصمد الحقيق بالإطاعة والعبادة { تأمروني } أي: تأمرونني { أعبد أيها الجاهلون } [الزمر: 64] بالله وباستحقاقه للعبادة والانقياد، وبالأصالة والاستقلال.

ثم قال سبحانه مقسما على سبيل التأكيد والمبالغة في التأديب، تحريكا لحمية صلى الله عليه وسلم، وتثبيتا على محبته { و } الله { لقد أوحي إليك } يا أكمل الرسل { وإلى } الرسل { الذين } مضوا { من قبلك لئن أشركت } أنت من كمال ودادتك وخلتك، وكل واحد منهم أيضا مع كمامل محبتهم وخلوصهم، وأتيت أنت وهم بشيء يلوح منه الإشراك المنافي للتوحيد { ليحبطن عملك } وعملهم؛ أي: ليضيعن ألبتة صالح عملك الذي جئبت به ليفيدك { ولتكونن } حينئذ { من الخاسرين } [الزمر: 65] خسرانا مبينا.

فعليك ألا تصاحب مع المشركين، ولا تقبل منهم قولهم، ولا تمتثل أمرهم { بل الله فاعبد } أي: بل إن أردت العبادة والإطاعة، فاعبد الله خاصة خالصة، ولا تلتفت إلى غيره { وكن } في شأنك هذا { من الشاكرين } [الزمر: 66] الصارفين لنعم الله إلى خلق لأجله؛ إذ هم جبلوا على فطرة العبادة والعرفاتن، بالنسبة إليه سبحانه حتى يتخذوه وكيلا حسيبا.

{ و } بالجملة: المشركون الذين اتخذوا أولياء من دونه سبحانه، وادعوا الوجود له وشركتهم معه سبحانه { ما قدروا الله } أي: ما وسعوا الحق باعتبار ظهوره بهذا الاسم المخصوص المستجمع لجميع الأسماء والصفات، والمعبر به عن الذات الأحدية كاسمه العليم، لذلك لم يعرفوا { حق قدره } وقدر ظهوره وبطونه، ولو وسعوا له، وعرفوا حق قدره، لما أثبتوا له شريكا؛ إذ كل من تحقق بوحدة الحق وكيفية سريانه على هياكل الأظلال والعكوس والمنعكسة، ولم يبق عنده شائبة شك في ألا تعدد في ذاته سبحانه، ولا تكثر بل يتجلى ويتجدد في كل آن بشأن، ولا شك أن كل ما ظهر من الشئون فان

ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام

[الرحمن: 27].

{ و } من جملة ما انعكس من بعض شئونه سبحانه { الأرض جميعا } أي: جميع ما يتولد من الطبيعة والهيولي المنعكسة من التجليات الإلهية حسب اقتضاء أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فيها { قبضته } أي: مقبوضة في كف قدرته { يوم القيمة } التي هي الطامة الكبرى التي انقهرت دونها أظلال السوى مطلقا، مندكة في نفسها، معدومة في حد ذاتها، لا وجود لها { و } كذا { السموت } حينئذ { مطويات } معطلات عن مقتضياتها التي هي الأفعال والحركات، ساقطات في زاية العدم على ما كانت عليها مقتضياتها التي هي الأفعال والحركات، ساقطات في زاوية العدم على ما كانت عليها أزلا وأبدا؛ أي: تنزه ذاته وتقدسمت أساؤه { بيمينه } وقدرته { سبحانه وتعالى } شأنه { عما يشركون } [الزمر: 67] له غيره ظلما وزروا.

[39.68-70]

{ و } اذكر يا أكمل الرسل للمشركين يوم { نفخ في الصور } لرد الأمانات التي هي الوجودات المترشحة من بحر الذات على هياكل الهوايات { فصعق } أي: خر وسقط مغشيا من فزعه { من في السموت } أي: جميع العلويات { ومن في الأرض } أي: جميع السلفيات خوفا من انقطاع الأمور الإلهية بمقتضى النفس الرحماني { إلا من شآء الله } من المعتبرين الفانين في الله، الباقين ببقائه، فإنهم قد قامت قيامتهم { ثم نفخ فيه أخرى } إيقاظا لهم عن سنة الغفلة ونعاس النسيان { فإذا هم قيام } أي: فاجؤوا على القيام، بعدما صاروا مغشيا عليهم { ينظرون } [الزمر: 68] حينئذ حيارى سكارى مبهوتين هائمين، كأنهم صرعى مخبولين.

{ و } بعد ذلك { أشرقت الأرض بنور ربها } أي: صارت الطبيعة والهيولي منورة بنور الله على ما كانت عليه قبل الفتح، وحينئذ عرضوا على الله { ووضع الكتاب } أي: مكتوب أعمال كل من النفوس الزكية والخبيثة بين أيديهم، وحوسبوا بمقتضى ما فيه { و } بعدما تم حسابهم وتنقيد أعمالهم { جيء بالنبيين } المبعوثين كل منهم إلى أمة من الأمم؛ ليشهدوا على أممهم بما كانوا عليه في النشأة الأولى { والشهدآء } أي: وجيء بالشهداء أيضا؛ يعني: أنطق الله أركانهم وجوارحهم التي أتوا بها ما أتوا من خير وشر فيشهدون.

Página desconocida