Tafsir
تفسير الجيلاني
" إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم يقول: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن امسكت نفسي فأرحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفط به عبادك الصالحين ".
{ إن في ذلك } التوفي والفصل، والإمساك والإرسال { لآيات } دلائل واضحات وشواهد لا ئحات على قدرة الصانع الحكيم القدير العليم { لقوم يتفكرون } [الزمر: 42] في مقدوراته سبحانه، ويشاهدون آثار قدرته عليها.
[39.43-46]
وبعدما سمع قريش كمال قدرة الله، واستقلاله بالتصرفات الواقعة في ملكه وملكوته حسب إرادته واختياره، ينبغي لهم أن يوحدوه سبحانه، ويتخذوه وكيلا، ويجعلوه حسيبا وكفيلان مع ذلك لم يتخذوه { أم اتخذوا } أي: بل اتخذوا من تلقاء أنفسهم { من دون الله } أولياء من الأصنام والأوثان، وسموهم { شفعآء } عنده سبحانه، لذلك يعبدونهم كعبادته { قل } لهم يا أكمل الرسل إلزاما وتبكيتا: { أولو كانوا } أي: أتتخذون الأصنام والأوثان شفعاء أيها الحمقى، وتستشفعون منهم، ولو كانوا { لا يملكون شيئا } من جلب النفع ودفع الضر { ولا يعقلون } [الزمر: 43] ويدركون مقاصدهم أصلا؟! وما هو إلا وهم باطل، وخروج عن مقتضى العقل الفطري.
{ قل } لهم يا أكمل الرسل بعدما لاح عندك غباوتهم وضلالهم على وجه العظة والتذكير؛ لعلهم يتنبهوا: { لله الشفاعة جميعا } أي: مطلق الشفاعة، مختصة لله، مستندة إليه أصالة، كائنة من عنده، لا يسع لأحد من أهل العناية أن يشفع لمجرم عنده سبحانه إلا بإذنه، وكيف لا يكون كذلك؛ إذ { له ملك السموت والأرض } أي: ماظهر من العلويات والسفليات، وما بينهما من الممتزجات، بلا تصرف فيها بالاستقلال والاختيار، بلا مزاحمة أنداد وأغيار { ثم } لو وقعت شفاعة من أحد ممن أذن له الرحمن، ورضي له قولا، فإنما هي أيضا آيل إليه سبحانه؛ إذ { إليه } لا إلى غيره من العكوس والأظلال { ترجعون } [الزمر: 44] رجع الأضواء إلى الشمس.
{ و } من شدة قساوة المشركين وجهلهم بالله { إذا ذكر الله } الواحد الأحد الصمد المستقل بالألوهية والربوبية { وحده } على ما كان بلا مشاركة أحد معه في الثبوت والوجود { اشمأزت } أي: انقبضت وضاقت { قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة } بالانكشاف التام في النشأة الأخرى، والمفني لأظلال السوى والعكوس مطلقا { وإذا ذكر } آلهتهم { الذين } يدعونهم { من دونه إذا هم يستبشرون } [الزمر: 45] أي: فاجؤوا عند ذكر آلهتهم إلى البسط والاستبشار.
{ قل } يا أكمل الرسل عند يأسك عنهم وعن إيمانهم وتنبههم، مسترجعا إلى ربك، مفوضا أمور عباده إليه ، سيما هؤلاء المعاندين: { اللهم فاطر السموت والأرض } ومظهرهما من كتم العدم بالإرادة والاختيار، يا { عالم الغيب والشهادة } على التفصيل؛ بحيث لا يعزب عن حيطة علمك مثقال ذرة من ذرائر ما لمع عليه برق وجودك بمقتضى جودك { أنت } بذاتك حسب شئونك وتطوراتك { تحكم } وتقضي { بين عبادك } هؤلاء وبيني { في ما كانوا فيه يختلفون } معي في أمور الدين القويم المنزل من عندك، والكتاب المبين طريق توحيدك.
[39.47-49]
ثم قال سبحانه تسجيلا على عدم قابليتهم واستعدادهم لقبول الحق وفيضان أسرار التوحيد { ولو أن للذين ظلموا } أي: بعدما جبلوا على فطرة الشقاوة من عند الله الحكيم لو حق وثبت لهم ملك { ما في الأرض } من الزخارف الإمكانية { جميعا ومثله } بل أضعافه وآلافه { معه لافتدوا به } في سبيل الله، راجين النجاة { من سوء العذاب } المعد لهم { يوم القيامة } جزاء لأعمالهم لما حصل لهم هذا، ولا نجاة لهم منه أصلا؛ إذ لا يبدل قولنا ولا نغير حكمنا، بل { وبدا } أي: لاح وظهر { لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } [الزمر: 47] من قبله؛ إذ هم عند الإتيان بفواسد الأعمال والعبادات على معبوداتهم، زاعمين جزاء ترتب جزاء الخير عليها، وقد انعكس الأمر عليهم.
{ و } حين ظهر عليهم عكس المطلوب { بدا لهم سيئات ما كسبوا } أي: تحقق عندهم كون أعمالهم التي أتوا بها سيئات كلها { و } حينئذ { حاق } وأحاط { بهم } خجالة { ما كانوا به يستهزئون } [الزمر: 48] من الأمور الدينية والمعتقدات الأخروية الجارية على ألسن الرسل والكتب في النشأة الأولى، ولم ينفعهم الندم والخجالة حينئذ؛ لانقضاء التدارك والتلافي.
Página desconocida