618

{ ولقد أرسلنا فيهم } أي: في الأولين الماضين { منذرين } [الصافات: 72] مثل ما أرسلناك إليهم بالإنذارات البليغة، فلم يفدهم إنذار أولئك المرسلين كما لم يفد إنذارك إلى هؤلاء المسرفين، فأخذناهم بغتة واستأصلناهم مرة.

{ فانظر } أيها المعتبر الخبير { كيف كان عاقبة المنذرين } [الصافات: 73] بعدما لم ينذروا بالإنذارات البليغة الواصلة إليهم من قبل الرسل، ولم يتنبهوا منها إلى الطريق المستبين، انقلبوا ضالين خاسرين صاغرين.

{ إلا عباد الله المخلصين } [الصافات: 74] الذين تنبهوا منها إلى الصراط المستقيم، بل تفطنوا إلى الحق اليقين، فانصرفوا عن العذاب الأليم إلى النعيم المقيم؛ لذلك انقلبوا بنعمة من الله وفضل عظيم.

[37.75-82]

ثم أخذ سبحانه في تعداد أهل الضلال الجاحدين على الرسل المنذرين بعدما أجمل فقال: { ولقد نادانا نوح } حين أردنا إهلاك قومه بالطوفان نداء مؤمل ضريع لاستخلاصه واستخلاص من آمن معه من قومه، فأجبناه { فلنعم المجيبون } [الصافات: 75] نحن لأوليائنا المخلصين.

{ و } لهذا { نجيناه وأهله } أي: من آمن معه { من الكرب العظيم } [الصافات: 76] أي: من الغم الذي لحقه دائما من أذى قومه وضربهم عليه، ومن أنواع زجرهم وشتمهم، أو من كرب الطوفان.

{ وجعلنا ذريته } أي: من تناسل منه ومن أبنائه { هم الباقين } [الصافات: 77] إلى قيام الساعة.

روي أنه مات من بعدما نزل من السفينة من كان معه من المؤمنين، ولم يبق إلا هو وبنوه وأزواجهم، فتناسلوا إلى انقراض الدنيا، كما قال سبحانه { وتركنا عليه } أي: أبقينا عليه ذكرا جميلا، وثناء جزيلا { في الآخرين } [الصافات: 78] أي: في الأمم المتخلفة منهم، يذكرونه بالخير، ويقولون تكريما له وترحيبا: { سلام } أي: تسليم وتكريم من الله ومن خواص عباده { على نوح في العالمين } [الصافات: 79] أي: في النشأة الأولى والأخرى.

{ إنا } بمقتضى لطفنا وجدونا لخلص عبادنا { كذلك } أي: مثل ما جزينا نوحا على إحسانه وإخلاصه { نجزي } جميع { المحسنين } [الصافات: 80] من عبادنا، لو أنابوا إلينا، وتوجهوا نحونا على وجه الإخلاص.

وكيف لا نبقي له ذكرا جميلا ولا نجزيه جزاء جزيلا؟! { إنه من عبادنا المؤمنين } [الصافات: 81] الموقنين بتوحيدنا، المتوكلين علينا، المفوضين أمورهم إلينا، المخلصين فيما جاءوا به من الأعمال والأفعال.

Página desconocida