598

بل { وجعلنا } لهم من كما ضبنا إياهم { من بين أيديهم } أي: قدامهم { سدا } حجابا كثيفا { ومن خلفهم } أيضا { سدا } غطاء غليظا كذلك، فصاروا محفوفين بين الحجب الكثيفة المانعة عن إبصار نور الهداية والتوحيد، وبالجملة: { فأغشيناهم } أي: أعمينا عيون بصائرهم التي هي سبب رؤية الآيات ودرك الدلائل القاطعة والبراهين الساطعة { فهم لا يبصرون } [يس: 9] الشواهد الظاهرة والآيات الباهرة حتى يرشدهم إلى الهداية والإيمان، فحرموا عن قبول الحق، وانصرفوا عن صراطه، فهلكوا في تيه الغواية والضلال، أعاذنا الله وعموم عباده عن ذلك.

[36.10-12]

{ و } بعدما سجلنا عليهم الكفر وحكمنا شقاوتهم حكما مبرما، لا يفيدهم إنذارك يا أكمل الرسل وإرشادك إياهم، بل { سوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } [يس: 10] إذ ختمنا على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة غليظة مانعة عن قبول الحق والتذكر به وإبصار علاماته، وبالجملة: هم مقضيون في سباق علمنا ولوح قضائنا بالعذاب الأليم والضلال البعيد، فلا تتعب نفسك يا أكمل الرسل في هدايتهم وإرشادهم، إنك لا تهدي من أحببت من قرابتك وأرحامك، ولكن الله يهدي من يشاء، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، إن الله عليم بما يصنعون من الكفر والإصرار.

{ إنما تنذر } ويقبل منك الإنذار المصلح والإرشاد المفيد { من اتبع الذكر } أي: سمع القرآن سمع قبول، وامتثل بأوامره ونواهيه عن تدرب تام وتأمل صادق، واتعظ بتذكيراته، واعتبر عن عبره وأمثاله { وخشي الرحمن } أي: خاف عن قهره وانتقامه واجتنب عن سخطه وغضبه ملتبسا { بالغيب } أي: قبل نزول العذاب وحلوله، معتقدا أنه سبحانه قادر على جميع أنواع الانتقامات { فبشره } يا أكمل الرسل بعدما سمع بالآيات سمع قبول ورضا، وامتثل بما فيها مخلصا، خائفا، راجيا { بمغفرة } لفرطاته المتقدمة { وأجر كريم } [يس: 11] لأعماله الصالحة الخالصة بلا فوت شيء منها، بل بأضعافها وآلافها عناية منا إياه وتفضلا عليه.

وكيف يفوت عن إحاطة علمنا شيء من حقوق عبادنا { إنا } من مقام عظيم جودنا وكمال قدرتنا { نحن نحيي } ونهدي حسب اقتضاء تجلياتنا اللطيفة والجمالية { الموتى } الهالكين بموت الجهل والضلال، التائهين في بيداء الوهم والخيال حيارى سكارى، مدهوشين، محبوسين، مسجونين في مضيق الإمكان بحياة العلم الإيمان والتوحيد والعرفان { ونكتب } في لوح قضائنا وحضرة علمنا جميع { ما قدموا } وأسلفوا لأنفسهم من خير وشر، وحسنة وسيئة، بحيث لا يشذ منها شيء لنجازيهم بها على مقتضاها { و } نكتب أيضا { آثارهم } من السنن المستحسنة والأخلاق المحمودة والآداب المرضية المقبولة، وكذا أيضا ما سنوا ووضعوا من أسوأ العادات والأخلاق وأخسها { و } بالجملة: { كل شيء } صدر ويصدر من عبادنا { أحصيناه } وفصلناه بحيث لا يشذ عن حيطة إحصائنا وتفصيلنا شيء من نقير وقطمير، بل الكل مكتوب مثبت { في إمام مبين } هو لوح قضائنا وحضرة علمنا.

[36.13-19]

{ واضرب لهم مثلا } أي: مثل أكمل الرسل للمشركين المصرين على الشرك والطغيان مثلا من الذين خلوا من قبلهم، مصرين على الضلال والعناد أمثالهم، بحيث لا ينفعهم إنذار منذر وإرشاد مرشد؛ يعني: { أصحاب القرية } المصرين على الشرك والعناد، المنهمكين في بحر الغفلة والغرور، والقرية: هي " أنطاكية " والمبشر المنذر هو عيسى - صلوات الرحمن عليه وسلامه - اذكر يا أكمل الرسل وقت { إذ جآءها } أي: القرية { المرسلون } [يس: 13] تترى من قبل عيسى عليه السلام ليشردوا أهلها إلى الإيمان والتوحيد.

{ إذ أرسلنآ } وأمرنا لنبينا عيسى عليه السلام أولا بالإرسال { إليهم اثنين } هما يونس ويحيى، وقيل: غيرهما، فلما جاءا إليهم وأظهرا دعوتهم، وكانوا من عبدة الأوثان { فكذبوهما } أي: فاجئوا في تكذيبهما بلا تراخ ومهلة وتأمل وتدبر، وبعدما كذبوهما لم يقبلوا منهما دعوتهما، بل ضربوهما وحسبوهما، واستهزءوا بقولهما ودعوتهما { فعززنا } أي: قويناهما وأيدنا أمرهما { بثالث } أي: برسول ثالث، وهو: شمعون { فقالوا } أي: الرسل بعدما صاروا جماعة: { إنآ إليكم مرسلون } [يس: 14] من قبل عيسى، المرسل من قبل الحق، ينذركم عما أنتم عليه من الباطل الفاسد، وهو عبادة الأوثان، وندعوكم إلى دعوة الحق الحقيق بالألوهية والربوبية، المستحق للعبدية، نرشدكم ونهديكم إلى دينه المنزل من قبل ربه.

وبعدما سمع المشركون منهم ما سمعوا { قالوا } في جوابهم مستبعدين منكرين: { مآ أنتم } أيها المدعون لرسالة الواحد الأحد الصمد، الفرد الوتر، الذي

لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد

Página desconocida