536

وبعدما أنجى سبحانه خليله - صلوات الرحمن عليه وسلامه - من النار، وخرج منها سالما سويا بلا لحوق ضرر { فآمن له } ابن أخيه { لوط } وهو أول من آمن به وأنكره غيره، ونسبوه إلى السحر والشعبذة وأنواع الخرافات { و } لما أيس الخليل عن إيمانهم { قال } للوط وزوجته سارة ابنة عمه: { إني } بعدما أيست عن إيمان هؤلاء الجهلة الضالين، ونجوت عن مكائدهم { مهاجر } مبعد منهم { إلى } أرض أمرني { ربي } للهجرة إليها، وأوحاني أن أذهب نحوها، فعلي أن امتثل لأمره وأمضي على موجب حكمه { إنه } سبحانه في ذاته وأسمائه وأفعاله { هو العزيز } الغالب القادر على جميع ما جرى عليه مشيئته وقضاءه { الحكيم } [العنكبوت: 26] المتقن في جميع ما صدر عنه إرادة واختيارا.

[29.27-30]

{ و } بعدما خرج عليه السلام من سواد الكوفة مع لوط وزوجته وصل إلى حران، ثم منها إلى الشام، فنزل فلسطين ونزل لوط سدوم، ثم لما استقر وتمن على فلسطين { وهبنا له } من كمال لطفنا معه وفضلنا إياه ابنه { إسحاق } نافلة { ويعقوب } ليزول بهما كربة الغربة ووحشة الجلاء، مع أن هبة ولده إياه من محض الجود الإلهي على سبيل خرق العادة؛ إذ هو كبير السن وامرأته عاقر { و } أيضا من كمال لطفنا معه { جعلنا في ذريته النبوة } مستمرة إلى الجزاء { والكتاب } أي: آتينا الكتاب لبعض منهم؛ يعني: رسلهم، وإنما فعلنا معه كذلك؛ لئلا تنقطع سلسلة كرامتنا عنه، بل تستمر إلى انقراض العالم { و } بالجملة: بعدما هاجر إلينا الخليل بالكلية، وانخلع عن لوازم ناسوته بالمرة { آتيناه أجره } أي: أجر هجرته { في الدنيا } على وجه لا ينقطع صيته عن الآفاق أبدا { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } [العنكبوت: 27] لقبولنا، المقبولين في ساحة عز حضورنا.

{ و } أرسلنا أيضا { لوطا } إلى قوم انحرفوا عن جادة الاستقامة، وضلوا عن سواء السبيل، اذكر يا أكمل الرسل { إذ قال } لوط { لقومه } بوحي الله إياه وإلهامه: { إنكم } أيها المفسدون المسرفون { لتأتون الفاحشة } أي الفعلة التي { ما سبقكم بها } بغاية قبحها وهجنتها ونهاية شنعتها { من أحد } أي: أحد { من العالمين } [العنكبوت: 28] من بني نوعكم، بل أنتم ابتدعتموها واخترعتموها من خباثة نفوسكم وشؤم شهوتكم.

ثم وبخهم وقرعهم بهجنة أفعالهم وأعمالهم فقال: { أئنكم } أيها المفرطون في متابعة القوة الشهوية { لتأتون } وتطئون { الرجال } من أدبارهم وهم أمثالكم { وتقطعون السبيل } أي: سبيل التناسل والتوالد، وتبطلون الحكمة البالغة الإلهية المتعلقة بإبقاء النوع { و } مع ذلك { تأتون في ناديكم } أي: مجالسكم ومحافلكم { المنكر } أي: الفعلة الذميمة، أي: تأتون بها على رءوس الملأ بلا مبالاة واستحياء وإخفاء، بل يتباهون بإظهارها، مع أن إعلان المنكرات من أعظم الجرائم وأقبح الفواحش عند الله وعند المؤمنين، سيما هذا المنكر المستبدع المستقذر { فما كان جواب قومه } بعدما سمعوا منه التشنيع والتقبيح على أبلغ وجه وآكده { إلا أن قالوا } متهكمين له، مصرين على ما هم عليه من الفعلة الذميمة الشنيعة: { ائتنا } يا لوط { بعذاب الله } الذي ادعيت نزوله علينا بسبب فعلنا هذا { إن كنت من الصادقين } [العنكبوت: 29] في دعوك، فنحن لم نمتنع بهذياناتك عن فعلتنا هذا قط، ولم نقبل منك نصيحتك أصلا.

وبعدما أيس من صلاحهم وإصالحهم { قال } مشتكيا، ملتجئا نحوه، مستنصرا منه: { رب } يا من رباني على صفة الصلاح والنظافة { انصرني } بحولك وقوتك بإنزال العذاب { على القوم المفسدين } [العنكبوت: 30] المسرفين المفرطين في الإفساد، الخارجين على مقتضى حدودك.

[29.31-37]

وبعدما استحقوا الإهلاك والاستئصال بإصرارهم عليها وعدم امتناعهم عنها مع كونهم مجاهرين بها، مفاخرين بإظهارها، أخذناهم بغتة واستأصلناهم مرة { و } ذلك { لما جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى } أي ليبشروه بهبة الولد والنافلة { قالوا } مخبرين له عن طريق الوحي من الله: { إنا مهلكو أهل هذه القرية } يعني: سدوم، وجاعلوها منقلبة على أهلها { إن أهلها كانوا ظالمين } [العنكبوت: 31] خارجين عن مقتضى الحدود الإلهية، منقلبين الحكمة البديعة بالبدعة الشنيعة.

ولما سمع إبراهيم عليه السلام منهم ما سمع { قال } مضطربا قلقا: { إن فيها لوطا } من خلص عباد الله { قالوا نحن أعلم } منك { بمن فيها } بتعليم الله إيانا { لننجينه وأهله } مما سيصيب قومه بأمر الله علينا بإنجائه، ومن معه من أهل بيته والمؤمنين له { إلا امرأته كانت من الغابرين } [العنكبوت: 32] الهالكين لنفاذ قضاء الله على هلاكها فيهم؛ إذ هي من جملتهم ومن عدادهم وفي زمرتهم.

{ و } بعدما بشروا إبراهيم بما بشروا، وأخبروا له ما أخبروا توجهوا نحو لوط، اذكر يا أكمل الرسل { لمآ أن جآءت رسلنا لوطا سيء بهم } أي: فجاءته المساءة والسآمة والكرب بقدومهم { وضاق بهم ذرعا } أي: ضاف ذرع طاقته بنزولهم؛ إذ اشتد عليه حفظهم عن أهل القرية، وضاقت طاقته عن تدبير خلاصهم له منهم؛ لأنهم جاءوا على صورة صبيان صباح ملاح، أمارد في غاية الحسن وكمال الجمال، فهم مشغوفون بطلب أمثالهم { و } لما تفرس الرسل منه الخوف والحزن والضجرة وأنواع الغموم والهموم العارضة لهم من إلمامهم إياه { قالوا } له تفريجا لهمه: { لا تخف } يا لوط إضرارهم بنا { ولا تحزن } من لحوق العار عليك بسببنا؛ لأنا رسل ربك، أرسلنا الله لنصرك وتأييدك وإنزال العذاب على قومك، ولا تحزن أيضا تعذيبنا لك ولمن تبعك { إنا } بأمر ربنا { منجوك وأهلك } مما يصيبهم من العذاب والهلاك { إلا امرأتك كانت من الغابرين } [العنكبوت: 33] الهالكين، هكذا ثب تفي حضرة علم الله ولوح قضائه.

Página desconocida