485

حيث قال العابدون لمعبوداتهم مقسمين مغلظين تحسرا وتحزنا: { تالله إن } أي: إنه { كنا } باتخاذكم آلهة من دون الله عبدناكم كعبادته { لفي ضلال مبين } [الشعراء: 97] ظاهر لا يشبته على ذي مسكة ضلالته.

وكيف لا يكون ضلالا ظاهرا { إذ نسويكم } مع كونكم من أدنى الأشياء وأرذلها بل نرجحكم ونفضلكم { برب العالمين } [الشعراء: 98] الذي هو أحد صمد، فرد وتر ليس كمثله شيء، وليس له كفؤ، ولا ضلال أبين من هذا وأعظم.

{ ومآ أضلنآ } وأوقعنا في هذا الضلال المبين { إلا المجرمون } [الشعراء: 99] الذين اقتدينا بهم من رؤسائنا، وتقليدات آبائنا الذين مضوا على هذا.

{ فما لنا } بعدما وقعنا في النار صاغرين { من شافعين } [الشعراء: 100] يشفعون لنا؛ لينقذونا منها.

{ ولا صديق حميم } [الشعراء: 101] أي: ذي قرابة وصداقة تكفي صداقة وحمايته؛ لإنقاذنا ونجاتنا، إنما قالوا ما قالوا تحسرا وتحزنا.

وبعدما قنطوا عن الشفاعة والحماية تمنوا الرجعة والإعادة، وقالوا: { فلو أن لنا كرة } رجعة وعودة إلى الدنيا مرة بعد مرة أخرى { فنكون من المؤمنين } [الشعراء: 102] بالله، الموحدين له لا نشرك به شيئا من مظاهره ومصنوعاته.

{ إن في ذلك } أي: فيما ذكر من نبأ إبراهيم عليه السلام مع أبيه وقومه { لآية } عظيمة دالة على توحيد الحق، وعلو شأنه وسمو برهانه عظة وتذكيرا للمتذكرين المعتبرين من أخلاقه - صلوات الرحمن عليه - وأطواره، وكمال علمه في دعوته، وإنصافه في محاورته، وإرخائه العنان إلى من قصد مجادلته ومعارضته، وإظهاره الحق على أبلغ وجه وآكده، عاريا عن جميع الرعونات والخلافات الواقعة بين أرباب المناظرات وأصحاب المجادلات { و } لكن { ما كان أكثرهم } أي: أكثر الناس { مؤمنين } [الشعراء: 103] بتوحيد الله وخلة خليله، وصفوة أخلاقه وحسن خصاله.

{ وإن ربك } يا أكمل الرسل { لهو العزيز } الغالب على انتقام من خرج من رق عبوديته { الرحيم } [الشعراء: 104] لمن وفق عليها وجبل لأجلها.

[26.105-113]

ثم قال سبحانه مخبرا عن المكذبين: { كذبت قوم نوح المرسلين } [الشعراء: 105] لأن تكذيب نوح والإنكار على إرساله يستلزم تكذيب مطلق الإرسال، فيستلزم تكذيبه جميع الرسل الذين مضوا قبله، بل سيأتي بعده من الرسل؛ لاتحاد المرسل والمرسل به.

Página desconocida