Tadhkar en las Mejores Adhkar
التذكار في أفضل الأذكار من القرآن الكريم
Géneros
لعظيم ما تضمنته هذه الآية من هول المطلع وشدة الأمر إذ يؤتي بالأنبياء عليهم السلام شهداء على أممهم بالتصديق والتكذيب ويؤتى به صلى الله عليه وسلم شهيدا على أمته وغيرهم. ولهذا قال العلماء: يجب على القارئ إحضار قلبه، والتفكير عند قراءته، لأنه يقرأ خطاب الله الذي خاطب به عباده. فمن قرأه ولم يتفكر فيه وهو من أهل أن يدركه بالتذكر والتفكر كان كمن لم يقرأه، ولم يصل إلى غرض القراءة من قراءته فإن القرآن يشتمل على آيات مختلفة الحقوق، فإذا ترك التفكر والتدبر فيما قرأ استوت الآيات كلها عنده فلم يرع لواحدة منها حقها، فثبت أن التفكر شرط في القراءة يتوصل به إلى إدراك أغراضه ومعانيه وما يحتوي عليه من عجائبه وقد قال الله تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مباركا ليتدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب} وقال: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}. وأيضا فإن ترديد الآية والتخشع والبكاء عندها سنة القارئ فإذا لم يعرف ما يقرأ لغفلته أو لجهله به لم يميز موضع الترديد، ولا جاءت عينه بدمع. فصح أن سنته إذا كان عالما باللسان فهما مميز أن يقرأ متفكرا. ويوضحه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يردد هذه الآية حتى أصبح {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم}. وقال محمد بن كعب: لأن أقرأ إذا زلزلت والقارعة أرددهما وأتفكر فيهما أحب إلى من أن أبيت أهذا القرآن. وقال سعيد بن عبيد الطائي: سمعت سعيد بن جبير يؤمهم في شهر رمضان وهو يردد هذه الآية {فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون} وقال القاسم: رأيت سعيد بن جبير قام ليلة يصلي فقرأ: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفي كل نفس ما كسبت} فرددها بضعا وعشرين مرة، وكان يبكي بالليل حتى عمش. وقال الحسن: يا ابن آدم كيف يرق قلبك وإنما همك في آخر سورتك. وقال بعضهم: بعثتني أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها وعن أبيها إلى السوق وافتتحت سورة والطور وانتهت إلى قوله تعالى: {ووقانا عذاب السموم} وذهبت ورجعت وهي تكرر هذه الآية. وقال رجل من قيس يكنى أبا عبد الله: بتنا ذات ليلة عند الحسن فقام من الليل فصلى فلم يزل يردد هذه الآية حتى السحر {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} فلما أصبح قلنا: يا أبا سعيد لم تكد تجاوز هذه الآية سائر الليل؟ قال: أرى فيها معتبرا، ما أرفع طرفا ولا أرده إلا وقد وقع على نعمة وما لا يعلم من نعم الله أكثر. وقال أبو سليمان ما رأيت أحدا الخوف على وجهه والخشوع أظهر من الحسن بن صالح بن صالح بن حي. قام ليلة إلى الصباح بعم يتساءلون ثم غشني عليه، ثم عاد فعاد إليها فغشى عليه فلم يختمها حتى طلع الفجر. وإذا تقرر هذا حمله على البكاء والخشوع معرفة ما يقرأ لإحضار قلبه والتذكر عند قراءته. وقد قال صلى الله عليه وسلم : ((إن هذا القرآن نزل بحزن فأبكوا فإن لم تبكوا فتباكوا)) وقد تقدم. وجاء أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ابتنى مسجدا بفناء داره فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يتعجبون منه وينظرون إليه، وكان رجلا بكاء لا يملك دموعه إذا قرأ القرآن. وكان عمر بن الخطاب يصلي بالناس فبكى في قراءته حتى انقطعت قراءته وسمع نحيبه من وراء ثلاث صفوف. وقرأ ابن عمر: {ويل للمطففين} فلما أتي على قوله: {يوم يقوم الناس لرب العالمين}. بكى حتى انقطع عن قراءة ما بعدها. وقال ابن أبي مليكة كان ابن عباس يقوم نصف الليل فيقرأ القرآن حرفا حرفا، ثم حكى قراءته: {وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد} قال: ثم بكى حتى سمع له نشيج ومر النبي صلى الله عليه وسلم بشاب يقرأ: {فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان} فوقف واقشعر وخنقته العبرة فجعل يبكي ويقول ويحي من يوم تنشق فيه السماء ويحي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((مثلها يا فتى أو لا تمثلها والذي نفسي بيده لقد بكت ملائكة السماء لبكائك)).
فصل قال القاضي أبو بكر بن العربي: ورأيت من يعيب البكاء
ويقول: أنه صفة الضعفاء، والنبي صلى الله عليه وسلم قد مدحه فقال: ((عينان لن تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين سهرت في سبيل الله)) وكان أبو بكر رضي الله عنه أسيفا إذا قرأ بكي شوقا وخوفا. وكان عبد الله ابن عمرو يكثر من البكاء ويغلق عليه بابه حتى رمصت عيناه.
Página 153