ومن الكلمات التي تذكر بهذا السياق أن ما يعمل للحقيقة وما يعمل ضدها يخدمانها على السواء.
وهكذا يقال عن مناصرة القضايا الكبرى ومقاومتها، فإن حكومة بكين لم تكن لتقدم على نصب الشباك لقنيصتها لو علمت عواقبها وما استفاد الرجل منها، فقد سمع باسم سن ياتسن بعد هذا الحادث من لم يكن يسمع به، وتفتحت له مكاتب الصحف والأحزاب ودواوين الحكومات الأوروبية والأمريكية، وتنبه المهتمون بأمر الشرق الأقصى إلى البحث عن مكانته ومبلغ نفوذه، ولو أنه سعى لنفسه ولقضيته جاهدا لأعنته المسعى قبل أن يدرك شيئا مما ساقه إليه الأعداء بغير عناء. •••
وبهذه السمعة التي راحت تضخم يوما بعد يوم حق له أن يخاطب الدوائر السياسية والدوائر الاقتصادية باسم الصين المقبلة، ويحذر المصارف والشركات من معاملة الحكومة القائمة؛ لأنها شبح ميت يوشك أن يطويه الغد القريب. وكانت تحذيراته هذه إحدى العقبات التي أوصدت على حكومة بكين وجوه الحصول على القروض، وهي في أمس الحاجة إليها.
وإذا كان سن ياتسن قد سمى سنوات الفشل الأولى سنوات الانهيار، لقد كان الانهيار في الجانب الآخر أسرع وأخطر؛ إذ كان هدما ليس وراءه بناء، خلافا لهدم الثورة الذي كان وراءه من يقيمه على الأثر، فضلا عن فائدة الثورة من تداعي أركان الحكومة المختلفة، فكل ركن ينهدم من بناء الحكومة هو ركن يرتفع من بناء الثورة.
وأحاطت الحيرة بحكومة بكين من الجهات الأربع، فكل حيلة تحتالها للخلاص تنقلب عليها معولا من معاول الخراب، ويظهر أن هذه الأسر المتداعية سواء في تواريخ جميع الأمم، فهي لا تخشى الخطر إلا من خارجها ولا تتخيل أنها تسقط إلا بهجمة من عدو يواجهها وتستعد له بدفاع يصده، وأما أنها هي تعمل بيدها ما يسقطها فذلك غريب عن خيالها، وهل تعمل دولة على إسقاط نفسها؟ كيف هذا؟ إنه اللغو والمحال في المقال بله الفكر والخيال!
وفي التواريخ العالمية أمثلة شتى على هذه الأسر التي يسلطها عمى البصيرة على نفسها في أواخر أيامها، فتمضي في سباق مع أعدائها على تعجيل زوالها، ويبدو للناظر أنها كانت خليقة أن تبقى بغير حاجة إلى مجهود غير الكف عن مساوئها وحماقاتها، ولكن المشكلة الكبرى أنها لا تستطيع أن تكف عن تلك المساوئ، وآية عجزها هذه هي بعينها آية الفناء، أو هي آية استحقاقها للزوال.
ودارت الحلقة الوبيلة التي دخلت فيها أسرة المانشو ولم تزل تدور وتدور: حاجة إلى المال، فإرهاق للشعب المحروم، فسخط من الشعب، فإلحاح على طلب المال للحراسة ودفع الثورة والتمادي في السرف والترف ... كأنما السرف والترف على وداع.
ولم تكف الضرائب، فزين نصحاء السوء للحكومة المنهومة أن تبيع المرافق العامة عسى أن تتقرب بها إلى الدول، وأن تنفعها تلك الدول عند الحرج حرصا على مرافقها إن لم يكن وفاء للحكومة المهددة، فسلمت فرع سشوان من سكة حديد بكين-كانتون، ولما يفرغ أصحاب الأرض الوطنيون من تعويض تكاليفها وأثمان أسهمها، فهب سكان الإقليم يتناصرون ويتوعدون، وتألفت منهم جماعة باسم حماة السكك الحديدية، وانضم إلى هذه الجماعة ألوف.
وسرت العدوى إلى الإقليم المجاور - إقليم هوبي - فتنبه حاكمها وعثر في بعض المنازل التي فتشها بسجل الأسماء المشتركين في جماعة من أمثال تلك الجماعة، وحدث هذا مساء التاسع من شهر أكتوبر (سنة 1911) فلم يصبح الغد حتى فاجأه الثوار قبل أن يفاجئهم، وعلموا أنه هو الموت المحقق إذا انتظروا، وأنهم بين الموت والحياة إذا ابتدروه، فأقدموا ولم ينتظروه.
وحان أوان المصادفة الأخيرة قبل إعلان الجمهورية، إن كان للمصادفات أوان.
Página desconocida