ولا تهدي لجارتها السبابا
وقال الأعشى قبله في هريرة: «ولا تراها لسر الغير تختتل.»
وقال بشار بن برد ينصح: «ولا تشهد الشورى امرأ غير كاتم.» أما ابن المقفع فله في هذا أقوال تصلح دساتير يجب أن تعمل بها الناس لتتقي شرورا كثيرة.
وقالت العرب: «من أقبح الغدر إضاعة السر، فلا تستبطن إلا الثقات الأمناء.» وعندهم أن إفشاء السر وإظهار الغدر وغيبة الأحرار وإساءة الجوار هي أربع من علامات اللؤم.
كما أن هناك أربع خصال تدل على الجهل؛ وهي: صحبة الجهول وكثرة الفضول وإذاعة السر واحتقار البر.
والعوام إذا أرادوا أن يمدحوا رجلا بكتمان السر والترفع عن الاغتياب قالوا: «لسانه دافئ.» وليس من يشيع الدفء بين الناس كمن يرميهم بالعواصف والقر والزمهرير، إن من يذري أسراره في مهب الرياح لهو كمن يطلق من قفصه طيرا يعز عليه أن يفارقه.
قال الجاحظ في وصف الكتاب: «هو أكتم للسر من صاحب السر.» وما ذاك إلا برهان على أن كتمان السر ليس بالأمر السهل، فإذا طلبت بين الناس من لا يبوحون به فقد لا تجد في الألف واحدا؛ لأن البشر مطبوعون على الثرثرة.
يتهمون المرأة بإذاعة الأسرار، وقد عرفت رجالا لا يتحدثون إلا بقال فلان وقالت فلانة، وإذا فرغت جعبتهم من أسرار الجيران ينشرون ما في بيوتهم لأن ذلك من طبعهم ودليل على ضعفهم.
فلنتق شر هؤلاء، وخصوصا إذا كانوا ممن لا يكتفون بالمتن، بل يعلقون عليه الحواشي والذيول ... وقد صدق الشاعر الذي قال فيهم:
لي حيلة فيمن ينم
Página desconocida