168

Caminos y Enfoques

سبل ومناهج

Géneros

وقرأ معاوية هذا الكتاب ودفعه إلى ابنه يزيد، فلما قرأه تهلل وجهه، فقال أبوه: يا بني، من عفا ساد، ومن حلم عظم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب، فإذا ابتليت بشيء من هذه الأدواء فداوه بمثل هذا الدواء.

فكم من دماء تسفك من أجل شبر أرض! ولو عقل المعتدي والمعتدى عليه لقابلا هذا التعدي بصدر رحب واقتدوا بمعاوية ولم يقتتلوا على حطام الدنيا التي لا تساوي كلها نقطة دم، فالعفو يجب أن يكون سلاحنا في حرب المعاش.

وأمر زياد ابن أبيه بضرب عنق رجل، فقال الرجل: يا أيها الأمير، إن لي بك حرمة، فقال زياد: وما هي؟

فأجاب الرجل: إن أبي جارك في البصرة.

فقال زياد: ومن أبوك؟ فقال الرجل: يا مولاي، إني نسيت في هذه الساعة اسم نفسي، فكيف لا أنسى اسم أبي؟!

قيل: فرد زياد كمه على فمه وضحك وعفا عنه.

وأمر مصعب بن الزبير بقتل رجل، فقال له ذلك الرجل: ما أقبح بي أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة، ووجهك هذا الذي يستضاء به، فأتعلق بأطواقك وأقول: أي ربي، سل مصعبا لماذا قتلني.

فقال: أطلقوه، فلما أطلقوه قال: اجعل أيها الأمير ما وهب لي عفوك من حياتي في خفض عيش، قال مصعب: قد أمرت لك بمائة ألف درهم.

وكان الخلفاء يتنافسون في العفو، وكانت بطانتهم من أهل الخير، فكانوا يمهدون أمامهم السبيل، ومن ذلك ما جرى لعبد الملك بن مروان: غضب عبد الملك على رجل فقال: والله لئن أمكنني الله منه لأفعلن به كذا وكذا. فلما صار بين يديه قال له رجاء بن حيوة: يا أمير المؤمنين، قد صنع الله ما أحببت، فاصنع ما أحب الله، فعفا عنه وأمر له بصلة.

وقال أبو ذر الغفاري الصحابي الصالح لغلام له: لم أرسلت الشاة على علف الفرس؟ فقال الغلام: أردت أن أغيظك، فأجابه أبو ذر: لأجمعن مع الغيظ أجرا، أنت حر لوجه الله تعالى.

Página desconocida