وهكذا يبدو أن اسپينوزا يبيح جميع الاختلافات النظرية حول العقيدة - وبالتالي لا يعترف بأية قيمة للأسس النظرية - طالما أن الغايات العملية للعقيدة تتحقق.
ولكن من الواضح أن المفكر الذي يتجه إلى جعل السلوك العملي - بغض النظر تماما عن الأسس النظرية - مقياسا وحيدا للعقيدة قد يهدم برأيه هذا كل ما تبقى للعقيدة من أسس؛ إذ إن السلوك الفاضل الذي يتحقق في إطار خارج تماما عن العقيدة، يصبح على هذا الأساس مساويا لذلك الذي يتحقق في الإطار الديني، أو بعبارة أخرى: إن السلوك الفاضل يصبح غاية في ذاتها، سواء تحقق بفضل الإيمان أو بدونه. وإذا كان الكثيرون من المتدينين يوافقون على المقدمة القائلة إن السلوك العملي هو أهم ما في الدين، فلا أظن أنهم جميعا يقبلون النتيجة الضرورية التي تستخلص منها، وهي أن هذا السلوك يعد مطابقا للغاية المنشودة سواء أقام على أسس دينية أم لم يقم، طالما أنه ينفذ نفس الأغراض التي يدعو إليها الدين. ومع ذلك فإن اسپينوزا يستخلص هذه النتيجة صراحة إذ يقول: «لست أرى فارقا بين الحالات التي يدعونا الله فيها إلى مراعاة العدل والإحسان عن طريق ملكاتنا الطبيعية، وبين تلك التي يأتي إلينا فيها بوحي خاص.»
28
أما الشعائر والطقوس الدينية فيقول عنها: «من المؤكد أنها لا تنفع ولا تضر على الإطلاق فيما يتعلق بالمعرفة الحقة لله، والحب الذي ينجم بالضرورة عنها؛ ولذا لم يكن ينبغي أن يعزى إليها من الأهمية ما يجعل المرء يعتقد أنها تستحق أن يعكر السلام والنظام والعام من أجلها.»
29
ويعبر اسپينوزا عن موقفه تعبيرا أصرح إذ يقول: «إذا كان شخص ما جاهلا تماما بالكتب المقدسة، ولديه مع ذلك آراء صحيحة ونهج سليم في الحياة، فإنه قطعا يكون مباركا، وتكون فيه روح الله بحق.»
30
وبذلك يتحقق الهدف الأعلى للدين، في نظره، إذا كان السلوك العملي فاضلا، بغض النظر عن أساس ذلك السلوك من وجهة نظر العقيدة، ولا يكون هناك أي ارتباط حقيقي بين تعاليم الدين وروحه الحقيقية؛ أي في هذه الحالة - بين المسيحية وروح المسيح.
وهنا يحق للمرء أن يتساءل: لماذا حرص اسپينوزا كل هذا الحرص على أن يؤكد أن السلوك الفاضل، حتى دون إيمان حرفي أو دون إيمان على الإطلاق، كفيل بأن يوصل المرء إلى السعادة والبركة الدينية ذاتها؟ ألا يستطيع المرء أن يرى في ذلك نوعا من الدفاع عن النفس أو تبريرا لموقفه الخاص؟ ألم يكن يريد، في الواقع، أن يرد على أولئك الذين اتهموه بالخروج على الأديان الشائعة في عصره، بالقول إن ذلك لا يحول بينه وبين أسمى درجات السعادة الدينية ذاتها؟ إن الدليل على صحة هذا التفسير هو أنه ينتقل، بعد النص السابق، إلى مقارنة رأيه هذا بالرأي المضاد السائد لدى اليهود - مقارنة تظهر بوضوح أنه يتحدث من خلال تجربته الخاصة - فيقول: «إن لليهود طريقة في التفكير تختلف عن ذلك كل الاختلاف؛ إذ يعتقدون أن الآراء الصحيحة والنهج السليم في الحياة لا قيمة لهما في تحقيق السعادة والبركة، إذا كان من يملكونهما قد توصلوا إليهما بنور العقل وحده، لا عن طريق الوثائق التي أوحي بها إلى موسى.»
31
Página desconocida