17
ولكن الاعتقاد بأن اسپينوزا كان ميالا إلى المسيحية أو متحيزا لها، وبأنه قد اقترب كثيرا من الإيمان بها بعد تخليه عن اليهودية، يكذبه على نحو قاطع ما قاله في رسالة رقم 73 (إلى أولدنبرج)؛ ففي هذه الرسالة يتحدث عن الاختلاف بين رأيه عن الله والرأي الذي يقول به المسيحيون المحدثون، من حيث إنه يرى أن الله هو العلة الكامنة في شيء، وليس العلة العالية على الأشياء. ثم يفسر الفكرة المسيحية القائلة إن المسيح هو الابن الأزلي لله، بأنها تعني أن المسيح كان يعبر عن «الحكمة الإلهية الأزلية كما تتمثل في جميع الأشياء، ولا سيما في العقل البشري؛ وهي الحكمة المؤدية بالفعل إلى الخلاص. أما فكرة اتخاذ الله صورة بشرية، فيقول عنها: لقد أشرت صراحة إلى أنني لا أفهم المقصود منها، بل إن هذا القول لا يبدو لي أقل امتناعا من القول بأن الدائرة قد اتخذت صورة المربع.» فإذا أدركنا أن اسپينوزا كان أصرح في تعبيره عن آرائه في رسائله منه في كتبه، وإذا علمنا أن الاعتراضات الواردة في هذه الرسالة تتعلق بأركان أساسية في العقيدة المسيحية، لتبين لنا أن رأيه الحقيقي في المسيحية كان لا بد مختلفا عن الرأي الذي عبر عنه في «البحث اللاهوتي» حين جعل هذه العقيدة هي الأقرب إلى التعبير عن التعاليم الإلهية، وحين سلم بحرفيتها وأبدى نوعا من الإعجاب بها.
ولقد أدرك كثير من شراح اسپينوزا وجود هذا التناقض في كتابته عن المسيحية. ونسبه بعضهم إلى رغبة اسپينوزا في مجاملة الجماهير.
18
وفي هذا المعنى قال «جوليان ڨيل»: «إن حرص اسپينوزا على مسايرة الآراء المسيحية ليتبدى جليا ... في إشادته في كثير من المواضع بالمسيح والحواريين، وفي إحجامه عن دراسة الأناجيل المسيحية من وجهة النظر النقدية، وفي إصراره المتحيز على امتداحها على حسب العهد القديم.»
19
وأخيرا، فإن ليوشتراوس يذكر صراحة أن اسپينوزا لم يكن يعد المسيحية أفضل من اليهودية، بل كان يدرك أن السلطات الحاكمة، والأغلبية الموجودة، تؤمن بالمسيحية، وكانت مهاجمة اليهودية في نظره أقل خطرا من مهاجمة المسيحية؛ بينما يؤكد أن القارئ الواعي لا بد أن يدرك أن انتقاداته التي وجهها إلى اليهودية لا بد أن تسري في الوقت ذاته على المسيحية.
20
وفي اعتقادنا أن هذا الرأي الأخير صحيح، وأن ما يبدو في «البحث اللاهوتي» من محاباة للمسيحية ليس، في واقع الأمر، إلا مظهرا من مظاهر إخفاء اسپينوزا لآرائه الحقيقية. ولنذكر هنا الرأي الذي سبق أن اقتبسناه لماتيو أرنولد، وهو الرأي القائل: إن اسپينوزا لا يناقش الإنجيل ولا يبدي رأيه فيه، بل يتناوله كما هو، ويأخذه كما لو كان يضع فرضا معينا، دون أن يحدد لنا موقفه من هذا الفرض. وهذا ، في الواقع، هو التعليل الصحيح لما يبدو من إعجاب اسپينوزا بالمسيحية؛ فهو يتناول تعاليمها كما هي، ويفترض أنها صحيحة، ثم يستخلص التفسيرات المنطقية لما في هذه التعاليم من أفكار، ولكن الأمر لا يعدو أن يكون افتراضا فحسب؛ إذ لو كان يؤمن بها حقا لما تحدث عنها على نحو ما رأينا في رسالة إلى «أولدنبرج»، وعلى أية حال، فإن انتقاداته التي ركزها على العهد القديم هي، في نظر كل من يختبرها عن كثب، ذات طابع أوسع بكثير من أن تنطبق على تعاليم العهد القديم وحده؛ فهي في الواقع انتقادات موجهة إلى الروح الدينية في عمومها، كما سنرى في الأقسام التالية. (3) العقل والإيمان عند اسپينوزا
وضع اسپينوزا في «البحث اللاهوتي السياسي» حدا فاصلا بين العقل والإيمان، أو بين الفلسفة واللاهوت، وأكد أن لكل منهما مجاله الخاص الذي لا يتعدى على مجال الآخر: «فمجال العقل هو ... الحقيقة والحكمة، ومجال اللاهوت هو التقوى والطاعة، واللاهوت لا ينبئنا بشيء، ولا يحضنا على شيء، ولا يأمرنا بشيء سوى الطاعة، وهو لا يتجه إلى معارضة العقل ولا يستطيع ذلك؛ وإنما يكتفي بتعريف مبادئ الإيمان ... بقدر ما تكون ضرورية للطاعة، ويدع العقل يحدد حقيقتها بدقة؛ ذلك لأن العقل هو نور الذهن، وبدونه تغدو كل الأشياء أحلاما وأوهاما» وبالاختصار ففي وسعنا أن ننتهي من ذلك إلى النتيجة النهائية القائلة: «إن من الواجب ألا نسعى إلى إخضاع الإنجيل للعقل، ولا العقل للإنجيل.»
Página desconocida