وَوَجْه ثَان أَنّ قَوْلَهُ وَلَم أنْس رَاجِع إِلَى السَّلَام أَي أَنّي سَلَّمْت قَصْدًا وَسَهَوْت عَن العدد أَي لَم أسْه فِي نَفْس السَّلَام وَهَذَا مُحْتَمل وَفِيه بَعْد وَوَجْه ثَالِث وَهُو أبْعَدُهَا مَا ذَهَب إليْه بَعْضُهُم وَإِنِ احْتَمَله اللَّفْظ من قوله كل ذلك لم يكن أي لم يجتمع القصر والنسيان بل كان احدهما ومفهوم اللفظ خِلافُه مَع الرّوَايَة الْأُخْرَى الصحيحة وَهُو قَوْله مَا قَصُرَت الصَّلَاة وَمَا نَسِيت، هَذَا مَا رَأَيْت فِيه لأئمَّتَنَا وَكُلّ من هَذِه الْوُجُوه مُحْتَمِل لِلَّفْظ عَلَى بَعْد بَعْضَهَا وَتَعَسُّف الآخَر مِنْهَا، قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل وَفَّقَه اللَّه والذي أقُول وَيَظْهَر لِي أنَّه أقْرَب من هَذِه الْوُجُوه كلها أن قَوْله لَم أنْس إنْكار لِلَّفْظ الذي نَفَاه عَن نَفْسِه وَأنْكَرَه عَلَى غَيْرِه بِقَوْلِه: بِئْسَمَا
لأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنَّهُ نُسِّيَ، وَبِقَوْلِه فِي بَعْض رِوَايات الْحَدِيث الآخَر لَسْتُ أَنْسَى وَلكِنْ أُنَسَّى فَلَمّا قَال لَه السَّائِل أقَصَرْتَ الصَّلَاةَ أَمْ نَسِيتَ أنْكَر قَصْرَهَا كَمَا كان ونسيانه هو من قبل نفسه وَأنَّه إنّ كَان جرى شئ من ذَلِك فَقَد نُسّي حَتَّى سَأل غير فَتَحَقَّق أنَّه نُسّي وَأُجْري عَلَيْه ذَلِك ليَسُنّ فَقَوْلُه عَلَى هَذَا لَم أنْس وَلَم تُقْصَر وَكُلّ ذَلِك لَم يَكُن صِدْق وَحَق لَم تُقْصَر وَلَم يَنْس حَقِيقَة وَلَكِنَّه نُسّي * وَوَجْه آخَر اسْتَثَرْتُه من كَلَام بَعْض المَشَايخ وَذَلِك أنَّه قَال إنّ النَّبِيّ ﷺ كَان يَسْهُو وَلَا يَنْسى وَلِذَلِك نَفى عَن نَفْسِه النّسْيَان قَال لِأَنّ النّسْيَان غَفْلَة وَآفَة وَالسَّهْو إنَّمَا هُو شُغْل.
قَال فكان النَّبِيّ ﷺ يَسْهُو فِي صَلاتِه وَلَا يَغْفُل عَنْهَا وكان يَشْغَلُه عَن حَرَكات الصَّلَاة مَا فِي الصلاة
(قوله ولكنه نسى) بضم النون وكسر السين المهملة المشددة.
(قوله ولكن أنسى) بضم الهمزة وفتح النون وتشديد السين المفتوحة.
(*)