قال القاضي زيد: وظاهره يقتضي أنه مسند؛ ولأن الكدرة أحد ألوان الدم فأشبهت الدم الأسود؛ ولأن أثر الدم وجد فيها ووجود الدم في أقل قليل من وقت الحيض يوجب حكم الحيض؛ لأن الكدرة إنما صارت كدرة لأنه كدرها شيء آخر، وليس ثم شيء يكدرها إلا الدم؛ لأن الماء الصافي يكدره شيء آخر حتى يتكدر، وكذلك الماء الصافي في الرحم يكدره شيء آخر، وليس ثم شيء يكدره إلا الدم فثبت أنها دم، ولأنها صفرة أو كدرة خرجت في أيام الحيض فوجب أن تكون حيضا، دليله ما يخرج منها بين دفقات الدم، ولأن الصفرة والكدرة دم متغير؛ لأن ما يخرج من الفرج لا يعدو أن يكون بولا أو منيا أو مذيا أو وديا أو دما، ولا شبهة في أنهما ليسا بشيء من ذلك إلا الدم فلم يبق إلا أنهما دم، فوجب أن يجريا مجرى الدم كالقيح والمصل فإنهما يجريان مجرى الدم إذا خرجا من الجسد فالقول بأنهما حيض في أوقات الحيض هو قول جمهور الفقهاء، كقول يحيى والمؤيد بالله وهي الرواية الأولى عن القاسم، وروي عنه أن ما كان منهما بين دفقات الدم فهو حيض، وما لم يكن كذلك فليس بحيض، وحمل السيد أبو العباس قول يحيى على هذا.
قال الأخوان: وظاهر قول يحيى يقتضي أنهما بمنزلة الدم الخالص سواء رأتهما المرأة في وقت العادة أو في وقت الإمكان، يزيد ذلك وضوحا قول الله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض}[البقرة:222] وهما أذى، وقوله تعالى:{ولا تقربوهن حتى يطهرن}[البقرة:222]، فإذا رات المرأة الصفرة والكدرة أو إحداهما فلم تطهر، وجه قول القاسم عليه السلام.
Página 103