المقالة الثالثة من الفن الثانى من الجملة الأولى من كتاب الشفاء وهي أربعة فصول
الفصل الأول فصل (أ) في الجواهر الأول والثانية والثالثة وبالجملة حال مراتب الجواهر الكلية والجزئية فى الجوهرية
فلنتكلم الآن فى مقولة الجوهر. فزعم قوم أن لفظة الجوهر، إن أريد إطلاقها على الأجسام وحدها، أمكن أن تقال على التواطؤ والقول الجنسى. وأما على معنى أعم من الجسم، فإنما تقع بالاتفاق أو التشكيك وقوع الموجود.وذلك لأن الهيولى والصورة أقدم فى معنى الجوهرية من المركب والمفارق الذى هو سبب وجودهما؛ وسبب قوام أحدهما بالآخر هو أقدم من جميع ذلك؛ وأن المبادىء لا تقع مع ذوات المبادىء فى مقولة واحدة. ومع ذلك فقد اعترفوا بأن كونها موجودة لا فى موضوع أمر تشترك فيه جميعها، وإن كان الموجود لا فى موضوع لبعضها قبل بعض. وقالوا: إن الوجود إذا كان يقال على هذه بالتقدم والتأخر، فلحوق " لا فى موضوع " به من بعد، وهو معنى سلبي، ليس يجعل الوجود فيها على مرتبة واحدة.
فنقول: أولا، إن من هذه الجهات لا يلزم أن لا تكون مقولة الجوهر جنسا لما هو جسم ولما هو غير جسم، أما حال التقدم والتأخر وحال مشاركة المبادىء لذوات المبادىء فى الجنس وغير مشاركتها، فأمر قد سلف لك منا بيانه؛ ومع ذلك، فإن الاجسام أيضا، التى لا تشك فى اشتراك جميعها فى جنس الجسم، ليست سواء فى المرتبة؛ بل بعض الأجسام أقدم من بعض.
وأما حديث الموجود المأخوذ فى رسم الجوهر وأنه لا محالة واقع على بعضها قبللا بعض، فهو شك وحقه أن يحل فنقول: إن قولنا إن الجوهر هو الموجود لا فى موضوع، لسنا نعنى بالموجود فيه حال الموجود، من حيث هو موجود، لما نوضحه عن قريب. بلو كان كذلك، لا ستحال أن تجعل الكليات جواهر؛ وذلك لأنها لا وجود لها فى الأعيان البتة؛ وإنما وجودها فى النفس كوجود شىء فى موضوع. ولو عنى بالموجود ولك، وهو الموجود فى الأعيان، لكان الأمر بالحقيقة على ما يذهبون إليه؛ وكان بعضها قبل بعض؛ بل يعنون بالموجود لا فى الموضوع المعنى؛ والماهية التى تلزمها فى الأعيان، إذا وجدت، أن يكون وجودها لا فى موضوع؛ مثل ما يقال: ضاحك، أى من شأنه عند التعجب أن يضحك. وإذا شئت أن يظهر لك الفرق بين الأمرين، وأن احدهما معنى الجوهر والآخر ليس كذلك، فتأمل شخصا ما كزيد، إذا غاب عنك، أو نوعا ما من الجواهر مع إمكان انصرامه من العالم، لو كان عندك انصرامه ممكنا، أو نوعا مما يشك فى وجوده، فإنك تعلم أنه ماهية؛ إذا كانت موجودة فى الأعيان، كانت لا فى موضوع؛ وتعلم أن هذا المعنى هو المقوم الأول لحقيقته، كما تعلم أنه جوهر؛ ولا تعلم أنه هو موجود فى الأعيان بالفعل لا فى موضوع، بل ربما كان عندك معدوما بعد. فإن الوجود بالفعل فى الأعيان لا فى موضوع ليس مقوما لماهية زيد ولا لشىء من الجواهر؛ بل هم أمر يلحق لحوق الموجود الذى هو لاحق لماهية الاشياء، كما علمت؛ فليس هذا جنس، بل الأول.
ولذلك إذا كان شىء ماهيته هى الوجود، وكان منزها عن الموضوع، لم يكن فى جنس، ولا يشارك الجواهر، بمعنى أنها أشياء ومعان إنما يلحقها الوجود، إذا لحق بهذه الصفة ؛ بل لا يوجد أمر مقوم لذلك الشىء ولنوعيات الجواهر بالشركة. فإن ما هو ذاتى لذلك الشىء فنظيره عرض لهذه؛ كالوجود الحاصل كيف كان؛ وما هو ذاتى لهذه النوعيات من مفهوم معنى الجوهرية غير مقول على ذلك؛ فإنه ليس هناك ماهية غير الوجود بلحقها الوجود.
فقد عرفت حقيقة كون الجوهر بصفة إنه موجود لا فى موضوع؛ وعرفت أن كون الجوهر بهذه الصفة أمر لا تقدم فيه ولا تأخر، وإن كان حصول الوجود، الذى هذا الاعتبار مقيس إليه، واقعا بتقدم وتأخر، كما أن المعنى الذى يقال به للأنسان ناطق لا تقدم فيه ولا تأخر، ولا اشتداد ولا ضعف.
Página 79