Poesía y Pensamiento: Estudios en Literatura y Filosofía
شعر وفكر: دراسات في الأدب والفلسفة
Géneros
مهما يكن رأي القارئ في هذه الفلسفة، فلا يمكن الإغضاء عن أهمية هلدرلين كشاعر مفكر، أو إن شاء كشاعر فيلسوف. إن الفكر وحده لا يصنع شاعرا، والعاطفة وحدها لا تصنعه أيضا. وكل الشعراء العظام قد حققوا نوعا من التوازن الجميل بين الفكر والوجدان، وبين القلب والعقل، فجعلوا من الأفكار أغنيات، وأشاعوا نبض الحياة في التأملات. والواقع أن الحدود الفاصلة بين الفكر والشعر دقيقة ورقيقة كالزجاج الشفاف، وهما متقاربان يسكنان - على حد تعبير الشاعر الذي أوردناه فيما سبق - على قمة جبلين متجاورين وإن كانا منفصلين.
ومع ذلك فقد فطن هلدرلين إلى خطر الفلسفة على موهبته، وشكا في بعض فترات حياته من أن الفكر قد أربكه وشتته، وقال على لسان بطله هيبريون، الذي هو في الحقيقة هلدرلين نفسه: إن الإنسان يكون إلها حين يحلم، وشحاذا حين يفكر. وقد كانت الحياة الفلسفية على أيامه هي المسئولة عن ارتباكه وتشتته. فقد وصلت الميتافيزيقا الألمانية إلى الأزمة التي بررت شكواه. وبلغت أزمة الثنائية العتيقة ذروتها، فأبعدت بين العقل والعالم، والفكرة والواقع، والتأمل والحدس المباشر، والفن والطبيعة. وكان على الأدباء والشعراء أن يلتمسوا لأنفسهم مخرجا من هذه الأزمة التي تحاصرهم من كل مكان. غرق بعضهم إلى أذنيه في بحر الفلسفة، مثل شيلر الذي ظل هلدرلين فترة طويلة من حياته يعده مثله الأعلى في الأدب والرجولة على السواء - ولكن هلدرلين استطاع أن ينتشل نفسه من المتاهة الفلسفية الغريبة - كما فعل شيلر قبله. فاستنجد بقلبه، واستجاب لصوت إلهامه الباطن الذي لا يمكن أن يكذب، كما ينتظر من كل أديب حق يمر بمثل هذه المحنة، والتقى الواقع والفكرة، واتحد القلب والعقل، ووجد الشاعر طريقه لأول مرة بفضل المرأة التي أحبها، ووجد فيها مثال الجمال والطهر والقداسة عندما كان يقوم بتربية أبنائها. هو الحب إذن ولا شيء سواه. هو المنقذ الذي طالما انتظره وناداه؛ ليخلصه من محنته. وهو الذي أعاده كذلك إلى «ليل المحنة المقدس»، وجعله يغوص في هاوية الجنون نصف حياته الأخير، فسقط فيها سقوط الفنان المبدع في قاع «الوطن» الذي أحبه وقدسه وتغنى به، وإن لم يستطع أن يتحمله أو يفهمه.
لم الشعراء في الزمن الضنين؟
لم الشعراء في الزمن التعيس؟
سؤال هتف به الشاعر هلدرلين منذ قرن ونصف قرن من الزمان، حين أحس ليل المحنة يلف الكون، وأن الآلهة لم تعد تكترث بالبشر، والثلاثة العظام - هرقل وديونيزيوس والمسيح - قد هجروه إلى غير رجعة.
لم يقل: أين الشعراء؟ لأن الشعراء كانوا كثيرين في عصره، وكانوا يغنون فيحسنون الغناء، ويعبرون فيجيدون التعبير عن آلامهم وآلام وطنهم وآلام الناس.
وكان الزمن ضنينا وتعيسا؛ لأنه نظر حوله، فوجد البشر بعيدين عن السماء، والسماء بعيدة عن البشر، ووجد الرب «يتحرك من وقت طويل فوق رءوسنا بغير اكتراث»، وأحس أن الدنيا خلت من البراءة والقداسة والنور والجمال، وأن الحب نفسه أصبح سخفا وخداعا، واللغة أقفرت من الحوار، فلم تعد هي لغة الأرض والأحباب.
تلفت حوله، فوجد وطنه ممزقا إلى أشلاء من إمارات وولايات، ورأى الإقطاع في أوج سلطته وجبروته، والقهر والاضطهاد والاستبداد والفساد في كل مكان، والصغار والأنانية والجشع والإرهاب تكتم على الأنفاس. وتطلع بكل شوقه وإخلاصه إلى بلاد يونان جديدة حرة، تمنى أن تبعث لتمحو هوان وطنه وسوء حاله. ولم يكتف بالشعر والغناء، فأراد أن يكون الشعر هو السبيل الهادي إلى الفعل، بل أن يتحول هو نفسه إلى فعل خلاق. ها هو ذا يكتب في سنة 1794م - قبل أن يصاب بخيبة الأمل المتكررة في الحب والناس والحياة - إلى صديقه «نويفر» قائلا: سنكسر أوتارنا التعيسة إذا لزم الأمر، ونعمل ما كان يحلم به الشعراء. ثم يكتب بعد ذلك بخمس سنوات إلى شقيقه من أبيه فيقول: وإذا أرادت مملكة العتمة أن تظهر للوجود، فسوف نقذف بأقلامنا تحت المائدة، ونمضي باسم الله إلى حيث تكون المحنة على أشدها، ونكون نحن أشد الممتحنين بها.
لقد كان ليل المحنة يلف في الحقيقة كل شيء بظلامه. ونظر هلدرلين فرأى أن شعاع الأمل الوحيد الباقي لبلاده هو الأدب الذي كان في أوج ازدهاره، ولكن الحياة الأدبية تجاهلته، والناشرين أعرضوا عنه، ولقمة العيش أجبرته على مرارة التعليم الخصوصي، والحب العظيم اليتيم في حياته حاصرته التقاليد وأعين الرقباء وألسنة الصغار.
وصرخ من قلبه قبل أن يغوص في ليل الجنون بقليل:
Página desconocida