فضحك الخبير وقال: «بلى يا سيدي، وهو شريد على كل حال؛ لأنه سواء انتصر عبد الرحمن أو شارل فإن سلطانه على أكيتانيا سيخرج من يده إما لكم وإما لشارل، فحاله تستوجب الشفقة.»
فاكتفى عبد الرحمن بما سمعه، وفكر في اختيار مكان يعسكرون فيه فقال هانئ: «لا أرى لنا مكانا نعسكر فيه خيرا من النقطة التي نحن فيها، فنقطع هذا النهر الصغير (شير) ونعسكر وراءه فنكون على بعد واحد تقريبا من هذين الجيشين، وإذا تضاما فنكون متقابلين ويكون هذا الماء وراءنا فإذا قضت الحرب أن نقهر - لا سمح الله - قطعنا النهر وجعلناه خندقا بيننا وبينهم.»
فأعجب عبد الرحمن برأي هانئ وابتسم له ابتسام والد سمع من ابنه عبارة تدل على الذكاء، وقال: «لقد رأيت الصواب وأزيد على ذلك أن نترك أثقالنا وأحمالنا ونساءنا هنا ولا يقطع النهر إلا الرجال المحاربون فنكون في اطمئنان على أموالنا وأعراضنا، وأرى أن نترك هنا أيضا الغنائم التي أثقلت رجالنا فيذهبون إلى الحرب خفافا، وقد أخبرتك بأن أمر هذه الغنائم أقلق راحتي، فإذا لم نقنع رجالنا وخصوصا البرابرة بالتخلي عنها يوم الحرب كانت سببا في فشلنا، وأنت تعلم أن الرجل إنما يغلب بخفة حركته.»
الفصل السادس والستون
مشكلة الغنائم
قال هانئ: «لنعقد مجلسا - إذا أمرت - نحدث الأمراء فيه ونقنعهم بوجوب التخلي عن الغنائم ونبين لهم ما يترتب على حملها من الأضرار ونرى ماذا يكون.» وكان في ركاب عبد الرحمن أيضا صاحب النفير (البوق) فأمره أن يذهب إلى المعسكر فيخبر الأمراء بمبيت الجند هذه الليلة حيث هم، ثم يدعو الأمراء إلى تلك الأكمة حيث كانا واقفين للبحث في موضوع المكان الذي سيعسكرون فيه فأسرع الرسول، ولم تمض هنيهة حتى تقاطر الأمراء على جيادهم، فلما وصلوا نزل عبد الرحمن عن جواده وهانئ عن أدهمه، فنزل سائر الأمراء وسلموا جيادهم إلى الخدم، ووقفوا على تلك الرابية فأطلوا على سهل تحف به تورس ومحلة القديس مرتين من الشمال إلى يسارهم، ومعسكر أود من الجنوب إلى يمينهم فقص عليهم عبد الرحمن ما خطر له بشأن المكان الذي يعسكرون فيه بحيث يكون الماء وراءهم إلى أن قال: «وأستشيركم في أمر هام أظن أن فيه خيرا لنا، وهو ألا يعبر هذا النهر منا غير الرجال المحاربين، وأن نترك النساء والأحمال هنا ومعهم من يحميهم فما رأيكم؟»
فقال اثنان من أمراء القيسية: «لقد رأى الأمير صوابا.» فوافق سائر الأمراء على ذلك.
فقال عبد الرحمن: «وهناك أمر ذو بال طالما خشيته على هذا الجند، وذلك أن جندنا قد أصبح من كثرة ما أفاء الله على المسلمين من الغنائم مثقلا بالتحف والأموال، حتى لقد يتعذر على الرجل أن يحمل غنائمه فكيف يستطيع القتال بها؟ فالذي أراه أن نجعل الغنائم المذكورة في مكان أمين في جملة ما سنخلفه هنا عند ذهابنا في الغد، فنجعل تلك الذخائر والتحف في خيمة خاصة يحرسها من تثقون به من رجالكم، كما فعلنا بقرب بوردو.»
فلم يتم عبد الرحمن كلامه حتى اعترضه شاب من أمراء البربر قائلا: «أما نحن فلا نوافق على هذا الرأي، ولا تذكرونا بما أصابنا في بوردو على أثر مثل هذا العمل، فقد احتفظنا بالغنائم هناك حسب أمركم فكانت النتيجة أننا خسرنا أكبر أمرائنا وأشجع رجال هذا الجند.»
فلما سمع عبد الرحمن تلك العبارة، وما تنطوي عليه من التعريض بمقتل بسطام مع ما تدل عليه من الضغينة والحقد خشي الانقسام إذا هو اعترض عليه أو وبخه لعلمه أنه لم يجسر على هذا القول إلا وهو مدفوع من جماعة، فتظاهر عبد الرحمن بالسذاجة والأسف وقال: «في الحقيقة إننا خسرنا في تلك الوقعة خسارة يصعب تعويضها؛ لأن الأمير بسطاما يندر أن يجود الزمن بمثله ولكنني لا أرى علاقة بين مقتله والغنائم.» ثم التفت إلى جمهور الأمراء وقال: «أظنكم توافقونني على تناسي ذلك الحادث والاشتغال بما هو أهم منه، وقد عرضت عليكم رأيا فإذا كنتم ترون فيه خطأ فبينوه؛ لأن الهدف واحد، والمصلحة واحدة.»
Página desconocida