Sharh Kalimat al-Ikhlas by Ibn Rajab
شرح كلمة الإخلاص لابن رجب
Editorial
دار ابن الجوزي
Número de edición
الأولى
Año de publicación
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م
Géneros
فأفادت الآيات والأحاديث أنه لا يُكَفُّ عن قتال المشركين إلا بالتوبة من الشرك، ولا يكون ذلك إلا بالإتيان بالشهادتين، مع الالتزام بهاتين الشعيرتين العظيمتين (الصلاة والزكاة)، وبَقِيَّةُ الشعائر مثلُهما في وجوب الالتزام، ولكن جرى الاقتصار عليهما في هذه النصوص؛ لأنهما أعظم أركان الإسلام، ومَن التزم بهما فما بعدهما تَابِعٌ لهما.
ويُوَضِّحُ هذا المقام: ما جرى لأبي بكر الصديق ﵁ مع عمر ﵁ ومَن وَافَقَه في شأن مانعي الزكاة، حيث عزم أبو بكر على قتالهم واعترض عليه عمر، وقال له: كيف تقاتل مَن قال «لا إله إلا الله»، وقد قال رسول الله ﷺ: «أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» فَإِذَا قَالُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم إِلاَّ بِحَقِّهَا»؟، فقال له أبو بكر ﵁ قولتَه المشهورة: (وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَينَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللَّهِ لَو مَنَعُونِي عِقَالًا -أو عَنَاقًَا- كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلتُهُم عَلَى مَنعِهِ)، قَالَ عُمَرُ ﵁: (فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَن رَأَيتُ اللَّهَ ﷿ قَد شَرَحَ صَدرَ أَبِي بَكرٍ لِلقِتَالِ فَعَرَفتُ أَنَّهُ الحَقُّ)، فاتفق الصحابة ﵃ على قتال مانعي الزكاة.
والمؤلِّف ﵀ استنبط من هذا: أن التوحيد وحده لا يعصم من العقوبة في الدنيا، بل يباح معه قِتَالُ وقَتلُ من امتنع عن أداء فريضةٍ من فرائض الإسلام.
ومثل ذلك أيضًا: قوله ﷺ: «لاَ يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلِمٍ يَشهَدُ أَن لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ بِإِحدَى ثَلاَثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفسُ بِالنَّفسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ لِلجَمَاعَةِ» (١)، فأحَلَّ النبيُّ ﷺ قَتلَ هؤلاءِ بإقامة ما أوجب الله عليهم من العقوبة، مع أنهم يشهدون شهادة التوحيد (لا إله إلا الله، محمدٌ رسول الله).
(١) متفقٌ عليه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁؛ البخاري (رقم ٦٤٨٤)، ومسلم (رقم ١٦٧٦).
1 / 56