قَالَ: وَقد انتزع بعض التَّابِعين وَهُوَ شُرَيْح القَاضِي من هَذَا أَن لَا يضْرب الصَّبِي على الْقُرْآن إِلَّا ثَلَاثًا كَمَا غط جِبْرِيل مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِمَا وَسلم ثَلَاثًا.
قلت:
هَذَا الْمَعْنى الَّذِي ذكره السُّهيْلي مُنَاسِب حسن على قَوْلنَا: إِن قَوْله: " مَا أَنا بقارئ " اسْتِفْهَام أَو إِخْبَار على أَنه أُمِّي، وَيشْهد لَهُ إتْيَان الْوَحْي إِلَيْهِ فِي مثل صلصلة الجرس، وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلا﴾ .
وَأما إِن حملنَا قَوْله: " مَا أَنا بقارئ " على الِامْتِنَاع من الْقِرَاءَة جملَة فَمَا فعله بِهِ جِبْرِيل هُوَ من بَاب تَأْدِيب الْمعلم ورياضة المتعلم، وَقد يحْتَمل أَن يكون الْملك من أول وهلة قَالَ لَهُ: ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق﴾ كَمَا قَالَ لَهُ ذَلِك فِي الْمرة الرَّابِعَة، أَو كَانَ ذَلِك فِي ذهن الْملك فَلَمَّا لفظ بقوله: (اقْرَأ " ظن النَّبِي ﷺ أَنه مقتصر عَلَيْهَا أَمر لَهُ بِأَن تصدر مِنْهُ قِرَاءَة، فبادر ﷺ - من خَوفه أَن يكون عرض لَهُ - إِلَى الِامْتِنَاع أَو إِلَى الْإِخْبَار عَن حَاله أَو إِلَى الِاسْتِفْهَام على مَا تقدم من الْمعَانِي الثَّلَاثَة، فَفعل بِهِ الْملك مَا فعل لامتناعه إِن حملناه على الِامْتِنَاع، ولعجلته إِن حملناه على الْمَعْنيين الآخرين، فَلَمَّا كَانَ بعد الثَّالِثَة أنصت النَّبِي ﷺ فَتلا الْملك الْآيَات.