قالت له وهي تناوله لفافة ورقية تغلف شطيرة منزلية الصنع من الجبن الأبيض وشرائح الطماطم: أتعرف أن هذا القميص الذي ترتديه اليوم هو نفس القميص الذي كنت ترتديه في أول مرة عرفتنا فيها رحاب إلى بعضنا البعض؟ أتذكر، أمام البهو الرئيسي؟
أجابها بتقطيب جبهته كمن يحاول التذكر، ثم ابتسم وقال في شيء من اللامبالاة جعلها تشعر بالحرج: أنا لا أذكر ما كنت أرتديه بالأمس يا فريدة، ولكن ربما تكونين محقة؛ فهذا القميص اشتريته من بورسعيد قبل عامين تقريبا.
أجابت وهي تحاول إخفاء حرجها: أنا متأكدة من ذلك بالطبع وأتذكره جيدا، كنت ترتدي هذا القميص ذاته ولكنه بدا عليك بشكل أفضل في تلك الأيام؛ فقد كان جسدك أكثر امتلاء، كنت تبدو رياضيا، وكانت لك ابتسامة رائقة. عرفت منذ النظرة الأولى أنك لا تنتمي لهذه الكلية؛ لم تكن تبدو عليك سمات البؤس والذعر التي ترتسم على وجوه طلاب السنة الإعدادية هنا.
أكمل ابتلاع آخر قطعة من الشطيرة التي كانت في يده ثم انتصب واقفا وقال في لهجة روتينية: هل تودين شرب الشاي من الكافيتريا أم ربما تفضلين الذهاب لتناول العصير من المحل المجاور للمكتبات في الخارج؟ أنا ذاهب على أي حال من ناحية بوابة المكتبات لأن صديقا لي سيمر علي بسيارته في طريقه للكلية، لدينا اليوم محاضرة مهمة في مادة المحاسبة سيحدد فيها الدكتور الأجزاء الملغية من الكتاب، أمامي نصف ساعة حتى يأتي صديقي حسب اتفاقي معه.
قالت في تسليم ويأس: حسنا. اذهب أنت إذن وسأصعد أنا للقسم فعندي مشروع يجب إنجازه، موعد التسليم الخميس القادم ولا يزال لدي واجهتان وقطاع لم أبدأ في إسقاط أي منهم بعد، ولا يبدو أن الدكتورة ستوافق على تأجيل آخر.
أجاب مبتسما ببعض التعاطف: كان الله في عونك، تعرفين أنني لو كنت أستطيع المساعدة لم أكن لأتأخر، لكنني لا أفهم شيئا من أمور الفنانين تلك التي تصنعونها في الأعلى. في المرة الوحيدة التي حاولت فيها المساعدة بتنقيط بعض الرسمات كما طلبت مني كدت أفسد اللوحة بأكملها.
ضحكت ضحكتها الخجولة المختزلة التي يحبها، واضعة يدها على فمها كما اعتادت أن تفعل لا إراديا في كل مرة وكأنها تخشى أن تضبط متلبسة بجرم الضحك. وقالت وهي تشير بسبابتها نحوه: نعم لقد لطف بنا الله يومها واستطعنا إنقاذ ما أمكن إنقاذه، كانت غلطتي بالطبع فقد كان علي توضيح أن التنقيط يمثل المساحات الخضراء في المسقط الأفقي، وأنه لا يمكنك تنقيط غرفة المعيشة، لو لم تلحق بك رحاب كنت سأضطر إلى إعادة رسم ذلك «الشاسيه» بالكامل.
ضحك هو بحرية وبمرح وأجاب: حسنا، سأذهب أنا إذن إلى أرقامي وجداول ميزانياتي وإلى محاضرة المحاسبة، ما لي أنا والعمارة والتنقيط والشاسيهات وتلك المسميات المضحكة؟ أراك غدا، سلام.
وأشار بكفه مشدودة ومضمومة الأصابع في اتجاه جبهته كالتحية العسكرية وهو يستدير متجها إلى بوابة المكتبات في خطوات سريعة واثقة لا تخلو من ابتهاج . ابتسم وهو يستعيد كلماتها عن لقائهما الأول، لم يكن يذكر بالطبع ما كان يرتدي ولا ما كانت ترتدي هي يوم التقيا لأول مرة، ليست ذاكرته قوية لهذه الدرجة فيما يخص التفاصيل كما هي ذاكرة الإناث، لكنه يذكر جيدا كم كان جمالها هادئا، وكم كان صوتها دافئا. كانت ملابسها - التي لا يذكر تفاصيلها بالطبع - رقيقة وغير متكلفة، تبرز جمالها بتحفظ. يذكر كيف أخذه شعرها الأسود الفاحم الطويل الذي ربطته في ذيل حصان خلف رأسها، وعيناها الواسعتان الصافيتان، وصوتها ذو النبرة المنخفضة الرقيقة، وهاتان الغمازتان الساحرتان على وجنتيها عندما تبتسم. كان حضورها يغمر المكان بفيض من البهجة. كما أنه يذكر جيدا كيف وقر في نفسه يومها أن لهذا اللقاء حتما ما بعده. كان يومها في السنة الثانية بكلية التجارة، بينما كانت هي طالبة جديدة على الحياة الجامعية في السنة الإعدادية بكلية الهندسة. عرفتهما على بعضهما البعض يومئذ تلك الصديقة المشتركة، ثم قابلها عدة مرات بعد ذلك عندما كان يحضر للقاء أصدقائه، بدأت لقاءاتهما وسط مجموعة الأصدقاء بطرقات مبنى الإعدادي حيث يتجمع الطلبة للمراجعة أو للتسامر بين مواعيد المحاضرات، ثم على الدرج الكبير في بهو المبنى الواسع، ثم انتقلا منفردين بعد ذلك بشهور إلى مكانهما المفضل بالخارج هربا من طرقات المبنى المظلمة حيث الجو المقبض المشبع بأبخرة المعامل ومناقشات مسائل الفيزياء.
صار يعرف أيام مشاريعها الطويلة المرهقة تلك التي تبدو خلالها شاحبة مرهقة إلا من لمعة عينيها الساحرة التي تشرق حين تراه، كانت تبقى في الكلية حتى ساعات متأخرة أثناء فترة إنجاز تلك المشاريع كما تقتضي طبيعة دراستها، وكان باستطاعته لذلك قضاء وقت أطول بصحبتها، حتى أثناء عكوفها على الرسم لساعات متواصلة على إحدى تلك الطاولات الخشبية الكبيرة. كان بإمكانه دائما مساعدتها بشيء ما، حتى ولو بالذهاب لإحضار بعض الطعام أو الأدوات الناقصة أو تصوير الأوراق في المكتبات الواقعة أمام البوابة الخلفية للكلية. أصبح يحضر إلى كلية الهندسة بمعدل أكبر، أصبح يأتي إليها هي على وجه الخصوص رغم أنه يتحجج أمام الجميع بزيارة أصدقائه الذين صار ربما يأتي ويذهب دون أن يقابل أيا منهم، ودون أن ينتبه حتى لذلك.
Página desconocida