385

Rocambole

الإرث الخفي: روكامبول (الجزء الأول)

Géneros

فتشجع روكامبول وجعل يبذل ما بقي له من الجهد وهو يؤنب نفسه لتقصيره قائلا: ما هذا الوهن؟ أأجعل طعاما للأسماك على بعد ميل من البر؟ وأضعف عن اللحاق بهذا الرجل الذي سأكون بعده أغنى مركيز.

إلا أن جهده لم يطل، فإنه لم يسبح مسافة وجيزة حتى شعر بأن قواه قد نهكت، فصاح يستنجد برفيقه وجعل يغوص تحت الماء ويرتفع فوقها إلى أن شعر بيد قبضت على شعره، ثم أغمي عليه فلم يع على شيء.

وعندما صحا من إغمائه قلب نظرا حائرا فيما كان يراه حواليه، فرأى أن أشعة الشمس قد بددت جيش الظلام، وأن العاصفة قد استبدلت بالسكينة، ثم رأى أنه لم يكن غريقا في أعماق الأوقيانوس، بل كان ممددا على رمال بلغت إليها حرارة الشمس، وجففت ثيابه المبتلة من الأمواج.

ونهض وجعل يمشي على تلك الرمال، ورأى نفسه فوق صخر عظيم متسع يحيط به الماء من جميع جهاته، وذكر أن رفيقه أشار له إلى هذا الصخر وأنه قبض على شعره حين استنجد به، ولم يعد يذكر شيئا، ولكنه أيقن أن رفيقه البحار - أي المركيز - قد أنقذه، ثم قال في نفسه حين لم يجده: ألعله وضعني في هذه الجزيرة وأتم مسيره إلى الميناء القريبة، فإذا كان ذلك فكيف أجده؟

وكأن هذا الرجل الهائل نسي موقفه الشديد، وأنه في جزيرة صغيرة قد يموت بها جوعا قبل أن يجد بها أحدا، فلم يفتكر إلا بأطماعه بالفتك بهذا الرجل الذي أنقذه من الموت.

وجعل يمشي في أرض هذه الجزيرة المقفرة مشي العاجز السقيم لفرط ما لقي من عناء السباحة، ويتفقد هذه الجزيرة كي يعلم مقدار بعدها عن البر، وفيما هو يمشي إذ سمع عن بعد صوت إنسان يستغيث، فأسرع إلى الجهة التي خرج منها الصوت حتى بلغ إلى هوة عميقة، سمع أن الصوت صادر منها، وعلم أنه صوت رفيقه البحار، فدنا منها ورأى عمقها نحو ستة أمتار.

ولما رأى روكامبول يطل عليه صاح صيحة الفرح وقال: لقد خشيت أن أموت ولا تسمع ندائي. - معاذ الله أن يحل بك مكروه، فقد أنقذتني من الموت وسأنقذك منه.

ثم جعل روكامبول يتأمل بالحفرة وعمقها ويبحث بحث المدقق، فعلم أنه إذا لم ينجده منها فلا سبيل له إلى الصعود، وأنه يموت فيها جوعا دون شك، فاتقدت عيناه ببارق الفرح الوحشي وقال في نفسه: إن الأقدار خادمة لي والصدفة من عبيدي.

أما المركيز فقد قص على روكامبول السبب في سقوطه، فقال: إني بينما كنت متمددا بالقرب منك أعالجك كي تستفيق من إغمائك، شاهدت سفينة تسير في عرض البحر، فوقفت وجعلت أركض إلى الشاطى وأنا أشير بيدي إليها وأنادي رجالها.

وبينما أنا أركض غير منتبه وعيناي شاخصتان إلى السفينة، سقطت في هذه الحفرة، ولو لم تسمع ندائي لهلكت من الجوع.

Página desconocida