Richard Feynman: Su vida en la ciencia
ريتشارد فاينمان: حياته في العلم
Géneros
في طوره فائق الميوعة، ينساب الهيليوم دون احتكاك من أي نوع. فإذا وضعته في وعاء، فستجده ينساب تلقائيا مكونا غلالة رقيقة فوق حوافه. ومهما كان صغر حجم شق ما، فسوف ينساب من خلاله. وعلى عكس الموصلية الفائقة، حيث يكمن السحر مختبئا وراء المقاومة وقياسات التيار الكهربي، فإن سحر الميوعة الفائقة يظهر أمام أعيننا بوضوح تام.
حتى وقت متأخر؛ مع بدايات الخمسينيات من القرن العشرين، لم تكن أي من هاتين الظاهرتين العجيبتين قد فسرت بعد في ضوء النظرية الذرية المجهرية. وعلى حد قول فاينمان، كانتا أشبه «بمدينتين واقعتين تحت الحصار ... فهما محاطتان تماما بالمعرفة إلا أنهما ظلتا معزولتين ومنيعتين». وفي الوقت نفسه، كان فاينمان مفتونا بكل الظواهر الجديدة الخلابة التي كشفت عنها الطبيعة عند درجات الحرارة المنخفضة، وقال عن ذلك: «أتخيل أن علماء الفيزياء التجريبية لا بد أنهم كثيرا ما ينظرون بعين الحسد إلى رجال من أمثال كامرلينج أونس، الذي اكتشف ميدانا مثل ميدان درجات الحرارة المنخفضة، الذي يبدو عميقا لا قرار له ويمكن للمرء أن يغوص فيه أكثر وأكثر.» كان فاينمان مفتونا بكل تلك الظواهر، غير أنه صب اهتمامه في الأساس على ألغاز الهيليوم السائل، على الرغم من أنه ظل يناضل، دون أن ينجح في نهاية الأمر، للكشف عن أصل الموصلية الفائقة.
وعلى الرغم من أن هذا الميدان، الذي أصبح في النهاية يعرف باسم «فيزياء المادة الكثيفة»، كان ميدانا صغيرا، فإنه من الصعب مع ذلك أن نوفي القفزة الهائلة التي قرر فاينمان القيام بها حقها من التقدير. فعلى الرغم من أن مشكلات الموصلية الفائقة والميوعة الفائقة لم تكن قد حلت بعد، فإن مجموعة العاملين في هذا المجال ضمت بعضا من أفضل العقول في علم الفيزياء، وعكف هؤلاء العلماء على التفكير في تلك المشكلات فترة من الوقت.
غير أنه من الواضح أن فاينمان اعتقد أن الأمر بحاجة إلى منهج جديد، ومن بين كافة جهوده البحثية، ربما لم يوضح أي منها على نحو أفضل قدرة حدسه الفيزيائي المميز، مضافا إليه براعته الفائقة في الرياضيات، على التحايل على العوائق القائمة التي تحول دون فهم الظواهر، بدلا من محاولة هدمها. لقد حققت الصورة الفيزيائية التي اشتقها في نهاية المطاف جميع أهدافه الرامية إلى فهم الميوعة الفائقة، وهي تبدو في غاية البساطة الآن بعد أن انجلت الحقائق، ومن فرط بساطتها يتعجب المرء كيف لم يفكر فيها أحد من قبل. غير أن هذه كانت إحدى سمات أعمال فاينمان. فقبل أعماله يبدو كل شيء غامضا وسط ضباب كثيف، ولكن بعد أن ينير لنا الطريق، يبدو كل شيء واضحا للغاية حتى إنه ليبدو من البديهيات.
بجانب افتتانه العام بالظواهر المثيرة في عالم الفيزياء، يمكن أن يتساءل المرء عن ماهية مشكلات الهيليوم السائل بصفة خاصة، وتطبيق ميكانيكا الكم على خصائص المادة بصفة عامة، التي جعلت فاينمان يحول اهتمامه نحو هذا المجال بالتحديد. أظن أنه، مرة أخرى، ربما كان الحافز نابعا من جهوده الأولى في فهم خصائص الجسيمات الأولية المتفاعلة معا بشدة التي اكتشفت حديثا؛ أي الميزونات. ففي الوقت الذي أدرك فيه أنه من غير المحتمل أن تساعد مخططات فاينمان في حل الموقف التجريبي شديد الإرباك المرتبط بالعدد الذي لا يحصى من الجسيمات المتفاعلة بشدة التي تظهر من جراء تشغيل المعجلات، فإنه مع ذلك كان مهتما بالطرق الفيزيائية الأخرى التي يمكن للمرء بواسطتها أن يفهم على نحو قابل للقياس كميا العمليات الفيزيائية ذات الصلة التي تحكم النظم الأخرى المتفاعلة معا بقوة.
واجهته خصائص الإلكترونات والذرات في المواد الكثيفة بمشكلة مشابهة تماما لتلك، لكنها مشكلة كان الموقف التجريبي فيها أكثر وضوحا بكثير، وكان المشهد النظري في ذلك الحين أقل ازدحاما بكثير. والحقيقة أنه قبل أن يبدأ فاينمان في معالجة المشكلة لم يكن أحد قبله قد حاول الاستعانة بميكانيكا الكم على المستوى المجهري بهدف الاشتقاق المباشر للخصائص العامة لعملية تحول الهيليوم السائل من حالته الطبيعية إلى حالة الميوعة الفائقة.
كان من الواضح منذ وقت مبكر أن ميكانيكا الكم تلعب دورا رئيسيا في الميوعة الفائقة. ففي الأساس، كانت النظم الوحيدة المعروفة في الطبيعة التي تسلك سلوكا مشابها، وبدون تشتيت للطاقة أو فقد لها، هي الذرات. ووفقا لقوانين الكهرومغناطيسية التقليدية، فإن الإلكترونات التي تدور في أفلاك دائرية حول البروتونات لا بد أن تفقد طاقة عن طريق الإشعاع، بحيث تسقط الإلكترونات سريعا نحو النواة. غير أن نيلز بور افترض، ثم بين إرفين شرودينجر في نهاية الأمر بمعادلة الموجة التي وضعها، أن الإلكترونات يمكن أن توجد في مستويات طاقة مستقرة حيث تظل خصائصها ثابتة مع مرور الزمن، دون تشتيت لطاقتها.
إن كان هذا جائزا لإلكترون أو ذرة وحيدة، فهل يمكن لمنظومة كبيرة كاملة مثل كمية مرئية من الهيليوم السائل أن توجد في حالة كمومية واحدة؟ وهنا كانت تكمن إشارة أخرى على أهمية ميكانيكا الكم. فعلى نحو كلاسيكي، يعرف الصفر المطلق بأنه درجة الحرارة التي تتوقف عندها كل أنواع الحركة. فلا توجد طاقة حرارية لكي تتذبذب الذرات أو يدفع بعضها بعضا، كما هو الحال في الغاز أو السائل العاديين، أو حتى المادة الصلبة. وعلاوة على ذلك، حتى مع افتراض أن ذرات الهيليوم المستقلة كان لديها شيء من الجاذبية القليلة المتبقية فيما بينها، وهو أمر مطلوب حتى لا ينفرط عقد المادة السائلة وتتحول إلى غاز تستقل فيه كل ذرة بنفسها، فإن معنى هذا أنه عند الصفر المطلق، أو بالقرب منه، فمن المفترض للهيليوم السائل بدلا من ذلك أن يتجمد ليتحول إلى مادة صلبة جامدة، حيث تتماسك الذرات في مواضعها بواسطة الجاذبية المتبادلة وغياب أي طاقة حرارية تحركها في الأنحاء.
إلا أن هذا ليس هو ما يحدث. فمهما خفضت درجة الحرارة حتى إلى ما هو أقل من درجة واحدة فوق الصفر المطلق، مثلما بين أونس، فإن الهيليوم لا يتجمد. ومرة أخرى، السبب في هذا هو ميكانيكا الكم. فحتى حالة أقل طاقة في أي منظومة كمومية لها دائما طاقة قيمتها غير صفرية، مرتبطة بالتذبذبات الكمومية. وهكذا فإنه حتى عند الصفر المطلق، تظل ذرات الهيليوم في حالة حركة اهتزازية. إن الهيليوم خفيف الوزن للغاية وفي الوقت نفسه فإن التجاذب بين ذرات الهيليوم ضعيف بما يكفي بحيث تكون طاقة أدنى حالة كمومية للذرات كافية لجعلها تتغلب على هذا التجاذب وتتحرك بحرية في صورة سائلة، بدلا من أن تتجمد مكونة شبكة من الذرات مثل المواد الصلبة. وكان من شأن ذرات الهيدروجين، وهي أخف وزنا من الهيليوم، أن تصنع نفس الظاهرة، لولا أن ذرات الهيدروجين ينجذب بعضها إلى بعض بقوة أكبر بكثير، وبذلك فإن طاقة الحالة القاعية عند درجات الحرارة المنخفضة لا تكون كافية لتحطيم الروابط التي تكون المادة الصلبة، ولذا فإن الهيدروجين يتجمد.
الهيليوم إذن فريد في صفة البقاء في حالة سائلة عند درجات الحرارة المنخفضة، ومصدر هذا التفرد هو ميكانيكا الكم في الأساس. وهكذا فمن المنطقي أن ميكانيكا الكم تتحكم أيضا في عملية تحول الهيليوم من حالة السائل العادي إلى حالة الميوعة الفائقة عند حوالي درجتين فوق الصفر المطلق.
Página desconocida