2
الكتاب النفيس هو الذي تشعر وأنت تطالعه بأن نفس الكاتب تتنفس في سطوره وخلالها، هو الكاتب الذي لا تجد في صفحة من صفحاته شيئا من جراثيم القنوط. هو الكاتب الذي يجري دم الحياة الراقية في كلماته ، ويشع نور الإخلاص من سطوره، وتتوفر فيه المادة التي تغذي النفس فتنعش فيها الأمل وتحيي منها العزيمة والإرادة، هو الكاتب الذي يولده العلم مقرونا مع الاختبار والحماسة مقرونا مع التفكر والجرأة الأدبية مقرونة مع الحكمة، بل هو الكتاب الذي تتجلى فيه النفس البشرية والذكاء البشري والصناعة الكتابية في أرقى وأجمل صفاتها وإن لم يكن كتاب صديقي جميل أفندي معلوف من هذه الطبقة العليا فهو من أعلى طبقة دونها.
ولعمري إن الكتاب الذي ينبه العثمانيين في هذه الأيام إلى أن الأمة العثمانية في بداية ثورة عظيمة، وأن الثورة السلمية لا تغني عن الثورة العلمية شيئا وأن التفرنج الحقيقي هي تمول لا تفرنج، وأن التمدن كالهواء والنور مشاع لا حجة للإفرنج فيه، وأن مدارسنا الإكليريكية والسلطانية هي المستنقعات في أرض الحرية العثمانية الجديدة، وأن الحكومة الدستورية ومجلس الأمة لا يسلمان من الخطر إن لم تصلح حالة العثمانيين الاجتماعية بإصلاح العائلة وحالتهم الأدبية بإصلاح المدارس.
وأن من الخطأ أن تضع حجرا واحدا من البناء الجديد قبل أن يسقط البناء القديم بأسره، وأن استناد الشرقيين على الدين في أحوالهم العالمية يقضي على مستقبلهم السياسي والاجتماعي والأدبي، وأن الحرية متى حلت أرضا لا تسمح ببقاء نصف أهلها عبيدا بينما النصف الآخر أحرار، وأن الحكومة التي تستعبد رعيتها يسلط الله عليها حكومة أقوى منها فتستعبدها، (وما ظالم إلا ويبلى بأظلم) وأن الثورة التي تنفع حقا شعوب الأرض هي التي يقوم بها المصلحون على المبادئ الفاسدة التي لا يقوم بها السياسيون على الحكومة؛ الكتاب الذي يصدع بمثل هذه الحقائق هو حري بالاعتبار، الكتاب الذي فيه مثل هذه المنبهات والمقويات لأمة دوختها المظالم السياسية وخدرتها الخرافات الدينية هو حقا جدير بأن يطالعه كل عثماني.
على أن المؤلف حبا بوطنه يفادي في بعض المواطن بحكمته فقد يطلق العنان لحماسته في مضمار ضيق، فيضطر - وقد بدت له الهاوية - أن يقف غير موفق دفعة واحدة، وهذا هو السبب فيما جاء في بعض الفصول من تزعزع الرأي والتضعضع، فإننا لا نستصوب البحث الآن فيما قد يعود على الأمة وهي لم تكد تقف على رجليها بالنكسة والبلاء، إذ ما الفائدة اليوم من البحث في استقلال الولايات مثلا والحكومة الرئيسية لم تتخلص بعد من سيطرة دول أوروبا ومداخلاتها؟ وما الفائدة من البحث في إقفال المدارس الأجنبية وإبطال الامتيازات الأوروبية ونحن لم نزل عاجزين.
وإن تحريض الشعب على مثل هذه الأمور يحدث في البلاد من القلاقل والفتن ما قد يلحق طفل الحرية منها لطمة واحدة فتقتله وتقضي علينا بالرضوخ لنير أوروبا. وأما نشر ما يدعوه صديقي جميل أفندي الديانة الوطنية، أي: ديانة حب الوطن، فهذا وحده يخلصنا رويدا رويدا من النفوذ الأجنبي من هذه المدارس الإكليريكية، وهذه الامتيازات الأوروبية، فمدارس (آبائنا) اليسوعيين مثلا تضطر أن تقفل أبوابها متى تأسست إزاءها مدارس وطنية كاملة العدة مستوفية الشروط.
والبوسطات الأوروبية تمنح مأموريها فرصة على الدوام متى رأت أن دخلها لا يقوم بنفقاتهم، والامتيازات الأجنبية تسقط دون أن نسقط أو نقوم عليها متى نبغ فينا رجال يستطيعون أن يقوموا بأعمال أصحاب هذه الامتيازات حق القيام، وكل ذلك ممكن يا أسيادي متى أصلحت داخلية الحكومة وظهرت فيها نتيجة أعمال الاختصاصيين الأوروبيين المشتغلين فيها الآن، كل ذلك ممكن متى بدأت الحكومة تؤثر المقتدرين والمتمولين والنابغين من رعيتها على أمثالهم من الأجانب.
حينما تنمو في الأمة عاطفة الوطنية يقوم الوطنيون إذا بما تطلبه حياتنا الجديدة وأمتنا الحرة من المشاريع الخطيرة، وبكلمة أخرى حينما تنشر فيها ديانة حب الوطن الجامعة المقدسة يضعف نفوذ الأجانب ويتلاشى وتسقط الامتيازات الأجنبية كما سقطت دولتنا الاستبدادية بطريقة هادئة سليمة.
هذا ما أحب أن أستلفت إليه نظر صديقي المؤلف؛ لأنني رأيته في مثل هذه المواقف يفادي بحكمته حبا بوطنه، ولعمري هي ضحية ثمينة في كل زمان ومكان، وفي أي سبيل كان.
فاتحة مباركة
Página desconocida