ولو قال لعبده: "صم غدًا" فهو أمر في الحال بصوم الغد، لا أنه أمر في الغد.
وأما العاجز: فإنه يصح أمره بشرط القدرة، كمسألتنا بغير فرق.
فإن قيل: هذا مخالف لقوله ﵇: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي ... " ١ قلنا: المراد به: رفع المأثم والإيجاب المضر، بدليل أنه قرن به النائم.
ولا نسلم أن شرط القدرة: وجود المقدور؛ فإن الله ﷾ قادر قبل أن يوجد مقدور٢.
١ الحديث أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الحدود حديث "٤٤٠٣" وابن ماجه: كتاب الطلاق حديث "٢٠٤١" وأحمد في المسند "٦/ ١٠٠" عن عائشة ﵂ مرفوعًا عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق" وإن كان في إسناده مقال، إلا أن الحاكم في المستدرك "٢/ ٥٩" قال: "هذا الحديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه: أي: البخاري ومسلم.
٢ ترك مسلم الرد على قولهم: "ولأن المعدوم ليس بشيء، فأمره هذيان" وقد رد عليه الطوفي في شرحه "٢/ ٤٢١-٤٢٢" مبينا أن هذا قول بعضهم، لا كل المعتزلة: "قال بعضهم: هو عرض قائم بجوهر، وأن تأثير القدرة الإلهية ليست في إيجاد معدوم، بل في إظهار الأشياء من رتبة الخفاء إلى رتبة الجلاء، أي: أن الأشياء خفية في العدم، فيظهرها الله ﷿ ويجليها، كما قال ﷿ في الساعة التي نسميها الآن معدومة: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] فسماها شيئًا، وقال في موضع آخر: ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] . ثم قال: وإذا كان معنى إيجاد المعدوم عندهم هو: إظهار أشياء بعد خفائها، فما المانع من توجه الخطاب الأزلي إلى تلك الأشياء، بشرط ظهورها وتأهلها للامتثال، هذا مما لا مانع منه، وهو لازم لمن قال به من المعتزلة، على ما حكيته عنهم في كتاب: "إبطال التحسين والتقبيح". ا. هـ.