الترمذي في «جامعه» (١) وهو يصلح حجّة في المسألة هو وما في معناه من الحديث، لمن ثبت له صحته من غير طرق المبتدعة بفسق أو بكفر، وهو يدلّ على قبول من يظنّ صدقه لأنّ ردّه مما يريب.
فإن قلت: إنّ تصديقهم مما يريب أيضًا.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنّا لا نسلّم أنّ ذلك يسمّى ريبًا؛ لأنّه راجح مظنون، والرّاجح المظنون صحته لا يسمّى تجويز خلافه ريبًا في اللغة، فإنّ الإنسان إذا غاب من منزله ساعة من نهار، وعهده بعمارته قائمة صحيحة؛ فإنّه لا يسمّى مريبًا في انهدام الدّار، وإن كان يجوز ذلك، وكذا إذا أخبره ثقة بخوف عدوّ، فإنّه يسمى مريبًا من خوف العدوّ لا صدق الثّقة الذي أخبره.
الوجه الثّاني: أنّا لو سلّمنا أنّ ذلك يسمّى ريبًا لما سلّمنا سقوط التّكليف بقبولهم، وذلك لأنّ في قبولهم ريبًا مرجوحًا، وفي ردّهم ريبًا راجحًا، ولا شكّ أنّ الاحتراز من المضرّة الرّاجح وقوعها أولى من الاحتراس من المضرّة المرجوح وقوعها، وإلا لزم قبح التّصديق للنذير، وإن كان ثقة، لتجويز الكذب أو الوهم عليه، ونحو ذلك، ويعضد هذا المعنى كلّ ما ورد فيه مثل حديث: «الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» (٢) الحديث، وهو صحيح، ويدخل في الشّبهات، ارتكاب ما
(١) (٤/ ٥٧٦ - ٥٧٧) وقال: «هذا حديث حسن صحيح» اهـ.
(٢) أخرجه البخاري «الفتح»: (١/ ١٥٣)، ومسلم برقم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير ﵁.