132

Rasail

رسائل الجاحظ: وهي رسائل منتقاة من كتب للجاحظ لم تنشر قبل الآن

Géneros

فإن قلت: إن الناس يكذبون في الإخبار عن الأعراب والكهان من كل جيل!

قلنا: فهم في إخبارهم عن المنجمين أكذب. وبعد، فالناس غير مستعظمين لكثرة كذب المنجمين وخطئهم وخدعهم، والناس يستعظمون اليسير من المرسلين عليهم والسلام. وكلما كان الرجل في عينك أعظم وكان عن الكذب أزجر كان كذبه عندك أعظم. وإنما المنجم عند العوام كالطبيب الذي إن قتل المريض علاجه كان عندهم أن القضاء هو الذي قتله، وإن برأ كان هو أبرأه. على أن صوابهم أكثر ودليلهم أظهر. وقد صار الناس لا يقتصرون للمنجمين على قدر ما يسمعون منهم دون أن يولدوا لهم ويضعوا الأعاجيب على ألسنتهم، وكل ملحد في الأرض (مبغض) للرسول طاعن عليه عائب له، يرى أن يصدق عليه كل كذاب يريد ذمه، وأن يكذب كل صادق يريد مدحه.

وبعد، فلو كان خبر المنجمين في الصواب كخبر الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام الذي هو حجة لما كان خبر المنجمين حجة.

فإن قلت: ولم ذاك ؟ قلت: لأن من كثر صوابه على غير استدلال ومقايسة وعلى غير حساب وتجربة أو على نظر ومعاينة، لم يكن الأمر من قبل الوحي؛ لأنك لو قلت قصيدة في نفسك فحدثك بها رجل وأنت تعلم أنه ليس بمنجم وأنشدكها كلها، لعلمت أن ذلك لا يكون إلا بوحي. ومثل ذلك رجل اشتد وجع عينه فعالجه طبيب فبرئ، فلو جعل الطبيب ذلك حجة على نبوته لوجب علينا تكذيبه، ولو قال رجل من غير أن يمسه أو يدنو إليه: اللهم إن كنت صادقا عليك فاشفه الساعة! فبرئ من ساعته، لعلمنا أنه صادق. فإن قالوا: وما علمنا أن محمدا عليه الصلاة والسلام لم يكن منجما؟ قلنا: إن علمنا بذلك كعلمنا بأن العباس وحمزة وعليا وأبا بكر وعمر رضوان الله عليهم أجمعين لم يكونوا منجمين ولا أطباء متكهنين. وكيف يجوز أن يصير إنسان عالما بالنجوم من غير أن يختلف إلى المنجمين أو يختلفوا إليه أو يكون علم النجوم فاشيا في أهل بلاده أو يكون في أهله واحد معروف به، ولو بلغ إنسان في علم النجوم وليست معه علة من هذه العلل وكان ذلك يخفى لكان ذلك كبعض الآيات والعلامات! ومتى رأينا حاذقا بالكلام أو بالطب أو بالحساب أو بالغناء أو بالنجوم أو بالعروض خفي على الناس موضعه وسببه وجميع ما ذكرنا! فعناية الناس به وعداوتهم له وشهرته في نفسه دون محمد

صلى الله عليه وسلم . وهل نسب أحد قط لأحد إلا دون ما نسبه له رهطه وأداني أهله ومن معه في بيته وربعه؟ وما أعرف - يرحمك الله - المعاند والمسترشد والمصدق والمكذب ينكر أن محمدا

صلى الله عليه وسلم

لم يكن منجما ولا طبيبا، وإذا قال الجاهل إنه قد كان يعلم الخط فخفي له ذلك، وتعلم الأسباب والقضاء في النجوم فخفي له ذلك، وتعلم البيان وقدر منه على ما يعجز أمثاله عنه وخفي ذلك، أليس مع قوله ما يعلم خلافه يعلم أنه قد سلم له أعجوبة كأعجوبة إبراء الأكمه والأبرص والمشي على الماء؟ إذ كان ذلك لا يجوز ولا يمكن في الطبائع والعقل والتجربة.

وافهم - يرحمك الله - ما أنا واصفه لك، هل يجد التارك لصديقه أنه لا يدري بزعمه لعله كان أعلم الخلق بالنجوم ناظرا لنفسه غير معاند لحجة عقله، وهو لم يجد أحدا قط برع في صناعة واحدة فخفي على الناس موضعه بكل ما حكينا وفسرنا؟ وأنت كيف تعلم أنه ليس في إخوانك من ليس بمنجم وأن فيهم من ليس بطبيب إلا بمثل ما يعرف به رهط النبي

صلى الله عليه وسلم

وآله منه! وكيف لم يشتهر ذلك، ولم لم يحتج به عليه! ولقد بلغ من إسرافهم في شتمه وإفراطهم عليه أن نافقوا وأحالوا؛ لأنهم كانوا يقولون له أنت ساحر وأنت مجنون، وإنما يقال للرجل ساحر لخلابته وحسن بيانه ولطف مكائده وجودة مداراته وتحببه، ويقال مجنون لضد ذلك كله.

Página desconocida