قال «بالله دع أمر الانتقام إلي فإني أريد أن أشفي غليلي منها ومن عبدها الذميم ريحان لا أراحه الله ... ولكني أرى سفري إلى الفسطاط أدعى إلى العجلة ... فما العمل».
فأعجب سعيد بحماسة بلال وزاد ميلا إليه وإلى سيدته ولبث برهة يفكر في حاله وهو يزداد شعورا بالانعطاف إلى خولة ويردد في ذاكرته ما آنسه فيها من الخلال الحميدة والغيرة نحوه وكيف كان التقاؤه بها سببا في نجاته من القتل ليلة ذلك الاجتماع. فضلا عما رآه فيها من الغيرة على أمير المؤمنين. ولكنه لم يكد ينتقل بفكره إلى عاقبة ذلك السعي وحبوط تدابيره في إنقاذه حتى هب حسمه وتمرمر في داخله على أنه لم ير حيلة في ما مضى فقال «لقد قضي الأمر يا بلال ولم تبق لنا حيلة في ملاقاة ما مضى فاذهب أنت إلى الفسطاط وعرج في طريقك إلى الشام ثم عد إلي بالخبر اليقين عن عمرو ومعاوية. وأما أنا فإني باق هنا أبحث عن قطام وعجوزها وعبدها وإذا أنت عدت من سفرك افتقدني في هذا المنزل وسنرى ما يكون».
قال «وخولة؟ ماذا أقول لها».
قال «قل لها إني لا أقدر أصف شوقي إليها وإن ما عندي أضعاف ما عندها ولها مني عهد الله إن هي رضيت بي أن لا ألتفت إلى سواها والأيام بيننا».
قال «أما رضاها فأنا الضمين لك به ...» وسكت بلال وقد أبرقت أسرته سرورا بما سمعه. ثم أقطب وجهه بغتة وقال «ولكن هب أن ابن العاص مازال حيا ووالدها كما تعلم شديد التشيع له فلا أظنه يأذن بزفافها إليك اختيارا فما الحيلة؟»
قال «ذلك راجع إلى اختيارها ومتى عدت إلي بالخبر نتدبر الأمر في حينه أما الآن فينبغي أنلا نضيع الوقت. امض إلى الفسطاط على عجل وعد إلي بالخبر اليقين وعلى الله الاتكال».
فأخذ بلال يهتم بالرحيل وسعيد صامت يفكر في ما حدث له من الهواجس الجديدة. وأصبح الحصول على خولة شغله الشاغل ولكن فشله في إنقاذ الإمام ثار في خاطره حب الانتقام من قطام. فصمم على الفتك بها إما بيده وإما بمساعدة الحسن بعد تبوءه عرش الخلافة.
الفصل الثاني والسبعون
خولة في الفسطاط
فلنترك سعيدا وبلالا في حالهما ولنعد إلى خولة في الفسطاط. فقد تركناها عائد في ذلك الليل إلى منزلها وكان والدها كما علمت قد حبسها في ذلك البيت على طريق عين شمس. فلما أخرجها سعيد منه كما رأيت وسارا إلى الدير ثم خرجت هي وحدها لم تر خيرا من أن تتظاهر بالبكاء والخوف. فهرعت إلى منزل والدها باكية وكان هو لا يزال غائبا لانشغاله بمقابلة عمرو بن العاص بشأن الذين قبض عليهم في ذلك الدهليز فلما فرغ من أمرهم وحرض ابن العاص على إغراقهم سار إلى محبس ابنته فرأى الباب مفتوحا وليس هناك أحد. فاستغرب الأمر وعاد توا إلى منزله فرأى خولة جالسة في غرفتها تبكي. فتجاهل سبب بكائها وقال لها «ما بالك يا خولة».
Página desconocida