فضحكت قائلة: يا لك من مغرق في حب نفسه!
هكذا قالت وهي توليه ظهرها، ولكن وضح على أثر ذاك اليوم أن نفسه ليست الشيء الوحيد الذي يحبه، وكانت تسير في الحديقة على غير هدى كخاطر حائر في دماغ حالم سعيد، فأشرفت بغتة على الحجرة الصيفية، وساقها ميل إلى التسلية إلى اعتلاء ربوة عالية في غابة الجميز، وإرسال النظر خلل نافذة الحجرة وكان وجهها الآخذ في الاستواء والاكتمال يواجهها على الجدار المقابل، ورأت الفنان الشاب في أسفل الجدار، وكانت تظنه ينهمك في عمله كعادته، ولكنها وجدته يجثو على ركبتيه، ويداه مشتبكتان على صدره، ورأسه متجه إلى أعلى كأنه مستغرق في صلاة، إلا أن رأسه كان متجها إلى ما تم نحته من رأسها وجبينها.
ودفعتها غريزتها إلى الاختفاء وراء فرع شجرة ومضت تراقبه خلسة دهشة مذعورة، ورأته يقوم واقفا كأنه ينفتل من صلاته، ورأته يمسح عينيه بطرف كمه الواسع، فخفق قلبها، ولبثت برهة لا تبدي حراكا، والسكون مطبق من حولها؛ لا يسمع بين آونة وأخرى سوى رفرفة البط السابح على سطح الماء أو طنينه، ثم التفتت إلى الوراء وانحدرت مسرعة في طريقها إلى القصر.
وقع ما طالما أشفقت من وقوعه رحمة به، وكانت تطالع معناه في عينيه الصافيتين كلما رنا بهما إليها، وما كانت تستطيع دفع الشر، فهل تباعد بينه وبينها؟ هل تغلق باب القصر في وجهه بأية علة تعتل بها عليه؟ .. لكنها أشفقت من تعذيب نفسه الرفيعة وباتت في حيرة من أمرها.
على أن حيرتها لم تطل بها، ولم يكن شيء في الوجود بقادر على أن يستبد بوجدانها أكثر من ساعة عابرة؛ لأن عواطفها وإحساساتها جميعا كانت نهب الحب، وملك يدي حبيب طموح لا يقنع من الحب بشيء .. كان يطير إلى قصرها الحالم هاجرا قصره ودنياه، غير آسف ولا متردد، فكانا يفران معا من الوجود ويلوذان بنفسيهما العامرتين بالحب، ويستسلمان لسحر الهوى وفتونه، ويصليان ناره، ويشهدان الحجرات والحديقة والأطيار على روعته وجبروته. وكان أقصى ما يلقيان من أسباب الهموم في أيامهما تلك أن تكتشف رادوبيس في الضحى بعد توديعه لها، أنها لم تسأله أعينيها يؤثر بالشوق أم شفتيها، أو أن يذكر وهو في طريقه إلى قصره أنه لم يقبل ساقها اليمنى مثلما فعل قبل اليسرى، وربما حمله أسفه على أن يكر راجعا لينفي عن حياته أتفه أسباب الهموم.
كانت أياما لا نظير لها في الأيام.
خنوم حتب
وكان الزمن الذي يمنح قوما الصفاء والسعادة، يتجهم لوجه رئيس الوزراء وكبير الكهنة خنوم حتب. كان الرجل يقبع في دار الحكومة يرقب الأمور بعينين متشائمتين، ويستمع إلى ما يقال بآذان مرهفة وقلب حزين، ثم يستوصي بالصبر ما أمكن الصبر.
وكان الأمر الذي أصدره الملك بنزع أراضي المعابد ينغص عليه صفو حياته، ويضع في سبيل حكمه عراقيل من الأزمات النفسية؛ لأن جمهور الكهنة قابلوه بفزع وألم، ونشط أكثرهم إلى كتابة العرائض والالتماسات وتوجيهها إلى رئيس الوزراء وكبير الحجاب.
ولاحظ الرئيس أن الملك لا يمنحه من وقته عشر معشار ما كان يمنحه من قبل، وأنه نادرا ما يحظى بمقابلته والتحدث إليه في أمور المملكة. وذاع على أثر ذلك أن فرعون يهوى غانية القصر الأبيض ببيجة، وأنه يبيت لياليه في قصرها. ثم شوهد الصناع يساقون إلى قصرها جماعات جماعات، ورئيت زرافات العبيد حاملة فاخر الأثاث وثمين الجواهر. وتهامس الكبراء بأن قصر رادوبيس يتحول إلى مثوى من الذهب والفضة والمرجان، وأن أركانه تشهد هوى جامحا يتقاضى مصر أموالا لا تعد ولا تحصى.
Página desconocida