وألحف هيلانوس على هكتور، فألقى نظرة على المعركة، وكاد قلبه يتفطر على هذه الأشبال التي تسقط هنا وهناك، وفي كل صوب وحدب، لاقية حتوفها في سبيل إليوم، وذرف عبرات تذوب حنانا ورحمة، ثم لوى عنان حصانه إلى البوابة الكبرى، فدخلها وقلبه يتصدع من الهم، ووقف مرة أخرى يلقي على الساحة المضطربة نظرة قائد بجنوده رءوف رحيم.
وانطلق إلى القصر الملكي المنيف ذي الشرفات.
وهناك، عند بوابة القصر، وتحت السنديانة الكبرى الوارفة، اجتمع حول هكتور نسوة كثيرات، هن أزواج المحاربين البواسل وأخواتهم وبناتهم وأمهاتهم كذلك، ازدحمن حوله يسائلن عن رجالهن، هل أودى بهم حتف القضاء، وأرووا ثرى الوطن العزيز من دمائهم، أم لا يزالون يناضلون الأعداء، ويردون عن طروادة حمي البلاء؟
ولكن هكتور يوشك ألا يسمع لهن؛ لأنه ينطلق من فوره إلى داخل القصر، وها هو ذا يهرع في أبهائه العظيمة، مارا بتلك الغرف الخمسين التي تضم أزواج أبيه وأطفالهن، ثم بالبهو الأكبر ذي العماد الشامخة، ثم بالجواسق المذهبة ذوات الدمى والتماثيل، حتى يكون عند ردهة الملكة، فتلمحه أخته الجميلة ذات المفاتن، لاءوديس فتجري إليه، وتلف ذراعيها حول ساقيه فيتخلص منها برفق، وتكون والدته قد أحست وجوده فتهرع إليه، وتهتف به: «هكتور! بني، ماذا جاء بك؟ لمن تركت الساحة يا ولدي؟ أهكذا تدع أبناء طروادة للموت الأحمر، وتجيء إلى الحرم تنشد الراحة يا هكتور؟ لا. لا. لا أحسبك تتخلى عن جنودك لحظة، ولكن هلم إلي! إليك هذه الكأس من أشهى ما عصر باخوس! رو ظمأتك منها، وعد إلى الميدان.»
بيد أن هكتور يتجهم تجهمة مغضبة، ويهتف بها: «أماه! حاشاي يا أماه! حاشاي يا أعز الأمهات! لن تهرق الخمر باسمي، وتلك دماء إخواني تهرق باسم الوطن وتراق! حاشاي يا أماه أن أتذوق قطرة واحدة من تلك الكأس، وهناك ... في سعير المعمعة، يجرع أبناء طروادة الأعزاء كئوس المنايا وذوب الحمام! أريقيها على مذبح مينرفا إذن! هلمي؛ ولتك معك أزواج القادة والمحاربين جميعا، فالبسن أبهى ثيابكن الحريرية المفتلة وحبركن المفوفة، وانطلقن إلى هيكل مينرفا، فصلين لها، واحرقن البخور الغالي من الأفاويه والصندل وأفخر طيوب الهند، ثم اركعن عند قدمي تمثالها المعبود، وابكين بكاء طويلا، وسبحن باسم إلهة الحكمة، واغسلن الأرض عندهما بدموعكن، ثم توسلن إليها أن ترفع عن الطرواديين مقتها وغضبها، وانذرن أن تقربن - لو فعلت - اثنتي عشرة بقرة من خير أبقار إليوم، تتصدقن على الفقراء وأبناء السبيل والمعترين بلحومهن وعلى كهنة الهيكل بشحومهن. «أماه! إن لم تفعلن كما أخبرتك فلا نصر لنا، بل لنا الهوان والهزيمة المؤكدة، وعليك وعلى نساء طروادة السلام من أربابها الكرماء!»
وصمت هكتور! واربد وجه هكيوبا!
وانطلق البطل إلى قصر أخيه، إلى قصر باريس، فوجده يلهو ويلعب، ولا يأبه بهذه الأرواح الغالية التي تصطرع في الميدان، فأخذته الحنقة، وصب عليه شواظ غضبه ... «أنت! أنت باريس بن بريام؟! عجبا وزيوس الأكبر! أنت هنا تلهو وتلعب، وتدع ضحاياك تنافح عن آثامك تحت أسوار إليوم، وتذوق الردى بجريرتك؟!»
وأطلق العنان للخيل، فذهبت عربته الحربية المطهمة تطوي الطريق إلى الميدان.
أما أمه فقد جمعت نساء طروادة وجماعة المتوسلات
1
Página desconocida