وأما طه حسين فقد كان هو الذي ملأ خيالي في تلك الأعوام، ليست المسألة هنا متعلقة بالمادة المكتوبة نفسها؛ وإلا فلست أظن أن طه حسين بما كان ينشره عندئذ أغزر فكرا من سواه، لا بل ربما كان العقاد أو سلامة موسى أو الدكتور محمد حسين هيكل أوفر محصولا من محصوله، لكن المسألة متوقفة على الروح التي يبثها في النفوس؛ ولذلك فقد كان طه حسين دون هؤلاء جميعا هو الذي انشقت له جماعة المثقفين معسكرين: معسكر معه يؤيده ويسانده، ومعسكر ضده يعارضه ويحاربه، ولقد كنت بغير شك من المؤيدين المساندين. إنك تظلم طه حسين لو وزنت مقداره بوفرة المحصول الفكري الذي قدمه للناس في كتبه؛ لأنه استمد معظم قيمته من قدرته على تغيير الاتجاه، إنه لم يكتب ما كتبه لمجرد الرغبة في الكتابة أو الرغبة في اكتساب الرزق، بل ولا مجرد عرض الأفكار المنقولة أو المبتكرة، وإنما كان يكتب ليغير وجه الثقافة في الأمة العربية، ومن ثم جاءت خطورته، إنه لم يتحرج ذات يوم أن يقول عن مراكز التقليد الثقافي في مصر التي كانت عقبة كأداء في سبيل التغير المطلوب؛ أقول: إنه لم يتحرج ذات يوم في أن يعلن في الناس عنها، إنه لا بد من هدم قرطاجنة ليستقيم لنا السير.
لست أمدح نفسي ولا أذمها حين أصفها أمينا فأقول: إن لديها استعدادا قويا؛ لا بد أن تكون له جذوره البعيدة في طفولة لم تجد فرصتها في نمو حر طليق؛ استعدادا قويا لتلقف كل فكرة تراها مؤدية إلى تقويض ما هو شائع مقبول، لتقيم مكانه جديدا مأمولا؟ إنني لأتصيد الأفكار التي يثور بها أصحابها على التقاليد المستقرة الراسخة تصيدا، وأخرج كلما وقعت منها على شيء يغذي هذا الميل في نفسي، فلو كان مجموع الناس على اتفاق بأن الشيء الفلاني صحيح، ثم ظهر كاتب يقول إنه خطأ لم أجد في نفسي رادعا يصدني عن تأييد هذا الكاتب الخارج على الإجماع، فأنا أؤيد خروجه أولا، ثم أنظر بعد ذلك في صدق حجته، ولكي أنصف نفسي لا بد أن أضيف أن هذه الرغبة القوية في تأييد الخارج على التقليد الشائع، إنما هي رغبة في التحطيم حين يكون البناء المراد تحطيمه قد أكله البلى ولم يعد صالحا إلا للعناكب تعشش في سقوفه وجدرانه، وللعفن يسري في أجوائه فيزكم الأنوف.
لقد كتبت بعد تلك السنوات الأربع التي أضع معالمها الآن على الورق؛ أقول: إني كتبت بعدها بأكثر من ربع قرن، في مقدمة كتابي عن فلسفة برتراند رسل؛ أقول: إنني وإن لم أكن تابعا كل التبعية لبرتراند رسل في فلسفته، ولا رافضا كل الرفض لها، إلا أنني مع ذلك أشعر برباط قوي بينه وبيني، وهو الدفاع الحار الذي ينهض به رسل في سبيل حرية الفرد من كل طغيان؛ طغيان التقاليد الاجتماعية وطغيان الحكومات؛ فإني لأوشك أن أرى الصدق كل الصدق في دعوى «رسل» بأن النظم الاجتماعية والسياسية كلها - في أرجاء العالم أجمع وعلى اختلاف العصور - مؤامرة كبرى يراد بها الحد من حرية الفرد التي كان ينبغي أن تكون هي الأساس وهي المدار لكل نظام في اجتماع أو سياسة، وإن شئت فانظر في أي بلد من بلاد العالم إلى ما يسمونه «التربية» تجدها تسابقا من الهيئات ذوات السلطان للاستيلاء على عقل الناشئ ومشاعره! واستمع إلى رجال «التربية» يسألون: ما الغاية من التربية ؟ ثم يجيبون: هي إنتاج «المواطن الصالح». وصلاحية المواطن هي دائما - كما ينبهنا «رسل» - الموافقة على النظم القائمة، ويستحيل عندهم أن يكون معنى «الصلاحية» هو الثورة على تلك النظم، وإنه لمن العجب كما يقول رسل «أنه بينما تستهدف الحكومات جميعا إخراج رجال من طراز يؤيد الأنظمة القائمة، ترى أبطالها من رجال الماضي هم على وجه الدقة رجال من الطراز نفسه الذي تحاول الحكومات أن تمنع ظهوره في الحاضر».
وكذلك بيني وبين برتراند رسل رباط آخر يقربه من نفسي، هو تلك الفرحة الكبيرة التي يفرحها كلما استطاع إقامة البرهان على خطأ اعتقاد كان يظنه الناس بديهية لا تحتمل الشك والجدل، وربما قيل إن مثل هذه النزعة انقلابية هدامة خطيرة، وإن صاحبها يكون في شخصيته شبيها ب «مفستوفوليس» شيطان فاوست، لكني أراها برغم ذلك ضرورية لتمهيد الطريق نحو تغير الأوضاع الاجتماعية والأفكار والمعتقدات التي قد تتحجر على مر الزمن، فيظن الناس أن صلابتها تلك هي صلابة الصواب واستحالة الخطأ، إن أصحاب هذه النزعة هم دائما بمثابة الفدائيين الذين يتسللون إلى حصون العدو فيمهدون الطريق إلى دكها وتخريبها، والفرض هنا - بالطبع - هو أن ما يراد دكه وتخريبه ومحوه، بناء فاسد يستوجب التغيير والإصلاح.
وهكذا كان طه حسين فيما كتب يومئذ، وهكذا كنت حين تابعته بقلبي وبعقلي معا. •••
وفي تلك السنوات الأربع التي هي فترة الدراسة في المعلمين العليا، نشأت مجموعة الأصدقاء التي منها تكون النسيج الاجتماعي الذي لبثت أتحرك بين لحمته وسداه حينا طويلا من الدهر، فهي المجموعة التي كان يقاس إليها كم حقق أفرادها من النجاح ومن الفشل، من من هؤلاء الأفراد كان سابقا ومن كان مسبوقا. كانت تلك المجموعة الصغيرة التي لم يتجاوز عدد أفرادها عشرة، هي المناخ الاجتماعي الذي أتنفسه، بقدر ما كان في ذلك المناخ من نقاء استنشقت الصحة، وبقدر ما كان منها من عكر استنشقت المرض. كانت من التجانس بحيث لا أغلو إذا قلت إنها إذا اجتمعت في مكان، جعلت لنفسها لغة خاصة يفهمها أفرادها ولا يفهمها سواهم، بما ملأت به تلك اللغة من إشارات مختصرة إلى خبرة مشتركة ماضية، وأكاد أقرر كذلك بأن كانت لتلك المجموعة نكاتها الخاصة بها، تضحك لها وقد لا يضحك لها غيرها.
أما وقد مضى على تلك الصحبة ما يقرب من نصف قرن كامل، فإنني لأتساءل الآن عن الصفة أو الصفات المشتركة التي وحدت بينهم، ولا أجد الجواب عن هذا التساؤل حاضرا ميسرا؟ فهم بغير شك يختلفون فيما بينهم أبعد اختلاف يفرق بين إنسان ولا إنسان؟ وليست أهدافهم في الحياة موحدة ولا متقاربة؛ فمنهم من كان هدفه الصعود في مناصب التعليم ولا زيادة، ومنهم من كان هدفه تحصيل العلم ومع العلم تحصيل الشهادات الدالة عليه، ومنهم من كان هدفه جمع المال، هكذا تفرقت بهم السبل حتى لقد كان بعضهم يسخر من أهداف بعض، لكنهم مع ذلك كانوا هم الصحبة الحميمة التي لم يكن ليستغني أحد منهم عن أحد!
ولعل الرباط الوثيق الذي وحد بينهم جميعا، وجعل بعضهم لبعض رفيقا أقرب رفيق، هو التواضع الاجتماعي الذي ينطوي بصاحبه على خلصائه ولا يريد أن ينشر أجنحته عراضا على رقعة أوسع؛ ولقد حدث خلال السنين أن تمرد من تمرد من تلك المجموعة على انطوائها الضيق فأخرجته المجموعة من حسابها أو أخرجها هو من حسابه، كما حدث خلال السنين كذلك أن أضيف إلى المجموعة من وجد بينه وبينها صلة القربى النفسية على أساس التواضع الاجتماعي الذي يؤدي إلى كثير من الانكماش والتخفي.
ولما كان هذا التواضع والانكماش والتخفي جذورا راسخة في نفسي - هكذا قال الأحدب ضاغطا على حروف الكلمات ليؤكدها - فقد كانت تلك الصحبة أنسب مناخ عشت فيه على طبيعتي، فلم أكن في تلك المجموعة أقل من حقيقتي ولا أكبر من حقيقتي، ولئن باعدت بيننا السنون بعد ذلك، فلست أظنها قد استطاعت أن تمحو ما كان بيننا من صلة نفسية وثيقة، فيها الازدواجية العاطفية التي لا بد من وجودها بين الأصدقاء أو الأقرباء؛ وأعني بها ازدواجية التجاذب والتنافر في آن معا.
كانت مجموعة من الأصدقاء، لكن كان بين أفرادها اختلافات بعيدة المدى؛ فمنهم من كان شديد الاهتمام بالحياة الثقافية - وكنت أنا واحدا من هؤلاء - ومنهم من لم تكن له بالحياة الثقافية صلة، كأن تلك الحياة في واد وحياته هو في واد آخر، ولقد حدث لنا نحن الذين مالت بهم الرغبة نحو الحياة الثقافية، أن تنشأ لدينا فكرة الالتحاق بالصحافة نشبع فيها هوايتنا في أوقات فراغنا، وكنا بالفعل قد بدأنا نكتب مقالات أدبية في المجلات الأسبوعية، وهي مجلات كانت تكون يومئذ ركنا هاما من أركان الثقافة؛ فمنها «السياسة الأسبوعية»، التي كانت تصدرها جريدة السياسة المعبرة عن حزب الأحرار الدستوريين (وهم أقرب إلى من نسميهم اليوم بحزب اليمين)، كما كان منها «البلاغ الأسبوعي» الذي كانت تصدره جريدة البلاغ الناطقة بلسان حزب الوفد، وهو حزب تقدمي بالنسبة إلى الأحرار الدستوريين.
Página desconocida