وقد تستطيع الحيوانات العليا - كالقردة - أن تقذف بالحجر أو تحمل العصا من فروع الشجر، وربما استطاعت أن تحرك شيئا بعيدا عنها إذا شاهدت أمامها من يفعل ذلك، فعمدت إلى محاكاته وهي لا تدري ما تفعل، أو تدريه، ولا تبتدئه من عندها عن روية وتفكير.
ولكنها - سواء درت أو لم تدر - عاجزة عن مواصلة الانتفاع بالآلة البسيطة من الحجر أو من فروع الشجر؛ لأنها تحتاج إلى يديها لتمشي عليها، ولا تقوى على استخدام الرجلين والاكتفاء بهما في حركة المشي خطوة واحدة إذا هي انتقلت من مكانها.
فاستخدام الآلة وانتصاب قامة الإنسان أمران متلازمان، واستقامة الإنسان في وقوفه ومشيه هي الفاصل الواضح بين أطوار الحياتين: أطوار الحياة الإنسانية، وأطوار الحياة الحيوانية.
وبين انتصاب القامة وصلاح اليدين للعمل المتواصل المتعدد ملازمة ظاهرة في تكوين بنية الإنسان، وتكوين دماغه، وارتباط الحركة اليدوية بالحركة الفكرية في أعماله.
ولا يهمنا أن يقال في هذا السياق: إن الإنسان ارتقى؛ لأنه صنع الآلة أو أنه صنع الآلة لأنه ارتقى، فكلا القولين يفيد شيئا واحدا، وينتهي إلى نتيجة واحدة، وهي ارتباط تاريخ الآلة بتاريخ الإنسان وحضارته وتفكيره وسائر مزاياه التي ميزته من عامة الأحياء أعلاها وأدناها على السواء، فالإنسان حيوان صانع للآلات كما قال بنيامين فرنكلين في تعريفه الجامع المانع لهذا الحيوان الناطق بما ينطوي عليه معنى النطق من ملكة واستعداد، ومن قال: إن الآلة ميزت الإنسان بين أنواع الحيوان، فله أن يقول: إن الآلة صنعت الإنسان.
قلنا في كتابنا عن فرنكلين: «إن تعريف فرنكلين للإنسان في الحقيقة أصدق تعريف له وأوفاه بالشرط الجامع المانع في التعريف، فما من فارق بين الإنسان والحيوان أوضح وأثبت من قدرة الإنسان على صنع الآلة واستخدامها، وهذه القدرة هي المقصودة بتعريف فرنكلين لا وجه للاعتراض عليها بتفاوت الناس فيها، فليس الاعتراض الصالح على تعريف الإنسان بالحيوان الناطق أن بعض الناس لا ينطقون ولا يفكرون، وأن بعضهم يولدون بكما أو مجانين، وليس من الاعتراض الصالح على تعريف الإنسان بالحيوان الاجتماعي أن يشد بعض الناس ويتأبد في الخلاء وينفر من الاجتماع، ولكن العبرة من هذه القصة أوسع وأدق من أن يحيط بها تعليق واحد، وكفى منها هنا أن تبرز قدرة العقل العلمي المطبوع على التعريف وإقامة الحدود والفوارق، وأن تبرز تلك الرابطة الوثيقة في طبيعة فرنكلين بين الإنسانية وصنع الآلات.»
هذه الرابطة الوثيقة بين قصة الآلة وتاريخ الحضارة الإنسانية، أو تاريخ نوع الإنسان في تطوره وارتقائه، هي مدار العبرة الخالدة، ومظهر الحكمة الإلهية في ذلك التاريخ، وأدعى الأمور إلى إظهار هذه الحكمة أن نذكر أن الآلة قد فرضت على الإنسان اضطرارا كما تفرض الأخطار والنكبات، وأن نذكر من آراء الناس فيها قديما وحديثا كيف نظر إليها الهداة من الفلاسفة والقديسين، فإنهم لم ينظروا إليها قط نظرة المختار الذي يحمدها ويتمناها لأبناء نوعه، ولم يكن في أقوال الفلاسفة والقديسين عنها ما يدل على أنها من تدبير نوع الإنسان لنفسه، وإنما هي من تدبير آخر غير تدبير النوع الإنساني، يساق إليه حينا على ما يريد، وأحيانا على غير ما يريد. •••
فمنذ القدم جعلت الآلة رمزا للتسخير وفقدان الإرادة، ولحق بها في هذا الاعتبار من يعمل بالآلة ومن يصنعها، فالعاملون بالآلات مسخرون، والذين يصنعونها مسخرون، وكلهم تجردهم الآلة من إنسانيتهم، وهي في منشئها مزية الإنسان على عامة الأحياء.
ولما تخيل الناس الأرباب على صورة البشر تخيلوا الرب الذي يصنع الآلات دميما ممسوخا أعرج شائه المنظر، يتقبله الأرباب في علياء «الأوليمب» على مضض، ويهمون بطرده من سمائهم أنفة من جلوسه إلى جوارهم، ولم يصبروا عليه إلا لحاجتهم إليه .
ذلك هو «هيفستوس» الحداد كما عرف في ملاحم اليونان الأقدمين، ويسمى أيضا «ملسيبر» الذي عاشت قصته بهذا الاسم في الآداب الأوروبية إلى العصور الحديثة، وقال في ملتون: إن زيوس رب الأرباب قذف به من السماء: «فظل يهوي من الصباح إلى وقت الظهيرة، ومن الظهيرة إلى المساء الندي نهار صيف كامل، هبط بعده عند مغرب الشمس كالنجم المنقض من السمت إلى جزيرة بحر إيجه: لمنوس.»
Página desconocida